الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

الزّيتونة ... يَمَّه !!

الزّيتونة ... يَمَّه !!

أمّ الجميل, إمرأة عربيّة قرويّة تعيش في إحدى قرى مشرق العرب: في الأردن في فلسطين في سوريا في لبنان في العراق في نجد، في إحدى قرى وسطهم على ضفاف النيل وفي مغربهم في تونس في الجزائر في موريتانيا. لها من الأولاد والبنات عشرين. عشر بنات وعشرة أولاد . زوجها أبو جميل ختيار، لكن ذا قوّة وبأس وجسد يحتمل الصّعاب لكثرة عمله في الحقل مذ كان صبيا. يوم أن كانت أمّه توقظه مع آذان الفجر ليحرث يبذر يسقى يقطف الخير عن الشّجر. أمّ الجميل تعلّمت عن أمّها ما تمارسه الآن مع أبنائها. هي عادة توقظ من يعمل في الأرض منهم مع صياح الدّيكة وقبل أن تتسلّط الشّمس على الخلق بلهيبها وعنفوانها أذ تتربّع على عرش السّماء في منتصف النّهار فتستوي جبروتا . ألبعض الآخر من أولادها توقظهم ليذهبوا إلى أعمالهم في المدينة البعيدة, ليلحقوا الحافلة الوحيدة التي تنطلق باكرا تَلُمُّ ركاب باقي القرى.

هذا البرنامج اليومي يختفي في فترة ما كلّ عام. فترة ذهبية تبدأ من أواخر تشرين الأوّل لتمتد حتّى تشرين الثاني. حيث تعلن حالة الطّوارئ بين جميع نسلها العاملين في الأرض أو المستوظفين(كما تطلق عليهم أم الجميل)سواء المقيمون معها ممّن تزوّجوا أو المقيمات عند حمواتهنّ ممّن تزوّجن. هي فزعة قد تطال الجيران  والأقارب وبالتّبادل، حيث تضع أمّ الجميل البرنامج مع أم العبد وأم محفوظ وأم ميلاد، و أم صامد والحجّة صامده ...هنااااك في فلسطين للمشاركة في قطف شجر الزّيتون. الشّجرة المعمّرة من عصر آدم وحوّاء يوم هبطا على أرضنا. كان أوّل ما فعلوه أن ...زرعوا شجرة أسمياها(زيتونه). إسم عربي أخذوه عن القرآن ...والتين والزّيتون. كانت الشّجرة الأولى على سفح جبل في القدس أسمياه جبل الزّيتون . من هناك أخذ نسلهم اليعربي (فسايل)وبزور من ثمرها ليزرعوه على ضفاف البحر الأبيض يوم كان شابّا فباركو أرضهم...بالزيتونة مباركة، لا شرقيّة لا غربيّة، بل عربيّة...عربيّة، يكاد زيتها يُضِيء...نور على نور. نحتفل بعرسها كلّ عام منذ الغرسة الأولى إلى يوم نُبعَثون.

نعود إلى أم جميل حين تستيقظ  في الفجر في موعد القطاف. هي لا تنام أصلا لانشغال البال اللذيذ والفرحة, تحرص على أن تسبق الشّمس, أن توقظ زوجها وأولادها"قوم يمّه, قومي يمّه, الزّيتونة...يمّه, برضايي عليكم..يمّه). هي ديك الصّباح يؤذن رغم أنّها تطفح بالأنوثة، أن حيّ على الفلاح. يصحو الجميع ويحرص من صحا على نغز لكز قرص من تكاسلوا بمحبّة ولهو جميل ليقوموا . في حين تكون الأم قد جهّزت لكلّ زوّادته من خير البيت من خير الأرض، زيتونا وخبزا أسمر من طحين قمح الحقل وجبنة نابلسيّة من خير ضرع بقرتنا والعنزتين...صبحا وربحا..

يقوم الأولاد والبنات يصلّون الفجر وركعتين شكرا لله على وقع آذان مؤذّن القرية رخيما هادءا بتوقيت المسجد الأقصى, يدعون أملا بالمزيد من الخير وأن يحفظ المولى الأرض والنّسل. كذا في جوارهم في بيت  جارتهم أمّ  ميلاد يؤدّون صلاتهم مباركة على ترانيم  كنيسة القيامة. بعدها يتّجهون إلى حقل شجر الزّيتون وقد أينع ثمرا لا أروع لا أجمل ولا أكثر بركة. يشاورون في طريقهم للساعين إلى القطاف في الدّروب الأخرى، كلّ إلى حقله، يساعدون بعضهم وبالسرعة القصوى قبل أن يتلف الثّمر أو يسّاقط أو يختمر ليصبح زيتا أو والأهم: (قبل)أن يسرقه  سارقوا الأرض, غرباء جاؤا من لا مكان. يسرقون الثّمر وإن لم يستطيعوا يقطعون الشّجر يخلعونه من جذوره غيظا حقدا ومضرّة أبديّة, لكن تعود الشّجرة لتنمو من جديد, فشجرنا زيتوننا عنيد...تماما كما نحن, دائمًا ننمو نعود من تحت الرّماد من جديد، كما طائر الفينيق بل طيور الفينيق، هم من نسلنا من...ربعنا.

هو موسم الزّيتون والليمون موسم القطاف, يوم عرس الأرض أرضنا, هنا وهناك...أحلى الأعراس وأكثرها بركة على وقع دعاء الأمّ, هي...الزّيتونة في بركتها وعطائها دعائها...يرضى عليكم يمّه.

 

Khaberni Banner Khaberni Banner