الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

الذي يحتُّ الحَجَرَ

الذي يحتُّ الحَجَرَ

رأيتُ في مدينة القيروان التونسية، وفي مسجدها الكبير منظراً لا أنساه. كان ذلك عند فوهة البئر الرخامية التي تحوَّلَتْ من شكلٍ أملسَ مستوٍ مستديرٍ إلى شكل الزهرة. ولما سألتُ عن تلك الحزوز المنحوتة في الرخام، قيل لي هي من أثر الحبال التي كانت تمتح وتنشل الماءَ من البئر. تَفنَى الحبالُ، أجل، ولكن ليس قبل أن تتركَ أثرَها على القاسي الصلد. وفي الكعبة المشرَّفة رأيت كيف لمسُ الأيدي قد نحَتَ الحجرَ الأسود، وترك عليه احديداباً عميقاً ظاهراً لكل عين. ولمَّا كان القاسي الصَّلدُ حولنا يحكمنا ويسوسنا، فإني لن أكفَّ عن نشل الحبل لعله يترك أثراً في الحجارة الصمّاء، ولو أنهكتُ بذلك وسيلتي، وأفنيتُ عُدَّتي لكلامٍ أعمقَ، أو غايةٍ أجلّ. أقصد أني لن أكفَّ عن حديث الثقافة التي قد تسلى بها من قصَّرت به راحلتُه الهَرِمَة عن أن يبلغ هدفاً كريماً، أو يحقِّق إنجازاً يُذكَرُ. فإذا أحصينا ما قدَّمه وزراءُ الثقافة للثقافة وأهلِها، وجدْنا حصاداً شحيحاً، لا يتجاوز تعيينات وتنقلات وترفيعات وبعض بهلوانيات، مع كثير لا يُحدُّ من تنفيع الأهل والأصحاب من غير أصحاب الاختصاص، وهدر المال في نشاطات لا تُغني، وفي أسفار وبدلات، مع تركيزٍ مدهشٍ على الظهور في وسائل الإعلام. وكأن الوزارة مناسبة ذهبية لاعتلاء التاريخ من أتفهِ أبوابِه؛ الشهرة! ومع الاحترام الشخصيِّ لكلِّ من تعاقب على هذه الوزارة البائسة، فإنا إن لم نضع إصبعنا على الجرح المتعفن، فلن نتمكَّن من معرفة طريق الخلاص. وطريق الخلاص ليس حتماً ذاك الذي يتناقله الإعلام عن خططٍ أضاءت بها لحظاتٌ عبقريةٌ لمعاليه، حيث يرى كما لو لنبيٍّ، أن وضع "الاستراتيجيات" وبلورة "الرؤى"، هي من اختراعه وحده، كأوَّل وزير أنجبته البلد! لقد تعبنا من وزراء يتعاقبون لعرقلة مشروعات بدأت، أو للبدء من الصفر. تعبنا من تجاهلنا ومن ضعف الاكتراث بهمومنا. تعبنا من التنكُّر لدورنا في الإصلاح والتنوير، كما لوكنا كائناتٍ مريخيةٍ تُضمرُ تدميراً للبشرية. كما لو كنا خطراً على الحياة وعلى الأفكار! من أين يأتي هؤلاء السادة الذين يعلنون الإصلاحَ ولا يُنجزون؟ ويتحدَّثون كثيراً عن الثقافة ويعملون ضدَّها؟ ولديهم بلاغة اللفظ وهزالُ الفعل؟ ولديهم ما يقولونه دوماً، كمن لا يحفظ سجلاً للأكاذيب؟ فإذا انفضَّ المولد تركونا، نحن أصحاب الشأن، حيارى مرمودين؟! وكيف بالله لا يُقلقُ واحداً منهم أننا، نحن أهلَ الثقافة، جميعاً ودونما استثناء، تحت خطِّ الفقر؟ كيف لا يعنيهم أن يسُنُّوا من التشريعات ما يحمي كرامة المثقف والمثقفة؟ (سأظل أثمِّن إنجازات الدكتور عادل الطويسي الفارقة). وكيف يمرُّ عامان ووزارتان، على عدم توقيع اتفاقية مع رابطة الكتاب، بيت المثقفين؟ وهل كانت مشاغل الوزير من العِظَمِ بحيث يبدو دعمُ بيت المثقفينَ شأناً تافهاً؟ وكيف لا يخطرُ على بال واحدٍ منهم، الوزراء، إعفاءُ أهل الثقافة والإبداع من ضريبة الدخل؟ أتحدث عن مكافأة المقالة والكتاب والمحاضرة والاجتماع والتقييم وعضوية اللجان وما شابه.. أتحدَّث عن تفاصيلَ مُخجلة، يجب أن لا ينامَ الوزيرُ على وثيرِ أحلامِ مجدهِ، بينما أولئك يفكرون كيف يدفعون فاتورة الكهرباء والماء والمدرسة وجرة الغاز. حبالنا تفنى، وكذلك حياتُنا، ولكن ليس قبل أن تحُتَّ حجرَ الإهمالِ المروع. الغد
Khaberni Banner
Khaberni Banner