الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

الدين العام

الدين العام

تظهر تطورات الدين العام، الداخلي والخارجي، الكثيرمن المؤشرات المقلقة التي يتوجب الوقوف عندها والتعامل معها ضمن استرتيجية واضحة وثابتة، أي عابرة للحكومات، للحد من انعكاساتها السلبية على الإستقرار الإقتصادي. فقد قفز إجمالي الدين العام بقرابة الضعفين، أو ما نسبته 188.0% تحديدا، خلال العقد الأخير؛ ليصل إلى ما ينيف قليلا عن 27.0 مليار دينار، في نهاية شهر آب من هذا العام، مقارنة مع ما مقداره 9.4 مليار دينار في عام 2008. وتبعا لذلك فقد ارتفعت نسبة المديونية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 60.0% إلى 95.0% خلال الفترة المذكورة.

أما تركيبة هذا الدين فتشير إلى تغير ملموس خلال السنوات الأخيرة تجاه ارتفاع نسبة الدين الخارجي وتراجع نسبة الدين الداخلي؛ حيث تراجعت الأخيرة من 72.0% في عام 2012 لتصل إلى 60.0% في شهر آب الماضي. وفي المقابل ارتفعت نسبة الدين الخارجي من 28.0% في عام 2012 لتشكل ما نسبته 40.0% من إجمالي الدين العام في نهاية شهر آب من هذا العام؛ وهو ما يعيدنا إلى الوضع الذي كان قائما في عام 2008. ويأتي ذلك بعد أن تحدثت الحكومات السابقة عن المزايا الكثيرة التي ستعود بالنفع على الإقتصاد الوطني نتيجة سياسات الإعتماد على المصادر الداخاية للإقراض، ثم ما لبث هذا التوجه أن أخذ منحنى معاكس وباستدارة تامة! والسبب الرئيسي وراء ذلك، وهو ما لا يكاد يذكره أحد، أن الحكومات لم تستطع تسويق انعكاسات استضافة اللاجئين السوريين أمام مجتمع المانحين، حتى لا نقول أن هذا المجتمع قد استطاع خداع الحكومات المتعاقبة من خلال إقناعها باللجوء إلى الإقتراض الخارجي بشروط تفضيلية، أي بأسعار فائدة مناسبة وفترات سماح وسداد طويلة، بدلا من المطالبة بمساعدات غير مستردة هي "حق" للأردن على المجتمع الدولي مقابل استضافة ملايين من اللاجئين السوريين!.

وعودة إلى آخر التطورات، فبعد أن ارتفعت نسبة الرصيد القائم للدين العام الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 92.0% في عام 2015 إلى 95.0% في عام 2016، فلم يسجل هذا المؤشر أي نمو حتى نهاية آب من هذا العام، وهو ما أخذت تعتبره الحكومة أحد إنجازاتها حسب تصريحات دولة الرئيس! ولكن لا بد من الإشارة هنا إلى هذه البيانات لا تعكس إتفاقية إصدار سندات "يوروبوند" التي أعلنت عنها وزارة المالية مؤخرا بقيمة مليار دولار، والتي سيتم سدادها بعد 30 عاماً، علما بأن حساب الرصيد القائم للدين العام يشمل جميع القروض المتعاقد عليها، سواء تم سحبها أو لم يتم. وعند أخذ هذا التطور بعين الإعتبار فإن نسبة إجمالي الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ستقفز إلى 98.0%، وهو مستوى لم يسجل منذ عام 2003. ولا نستبعد أن تتجاوز هذه النسبة 100.0% خلال الشهور القليلة القادمة في ظل تراجع الأداء المالي، كما تم بيانه في المقال السابق.

وفيما يتعلق بصافي الدين العام، وهو المؤشر المعتمد في قانون الدين العام والذي يحسب بعد طرح الودائع الحكومية من إجمالي الدين الداخلي، فقد ارتفع بحوالي 1.5 مليار دينار، أو ما نسبته 6.1% في نهاية شهر آب من هذا العام مقارنة بمستواه مع نهاية العام الماضي، ليقف عند قرابة 25.5 مليار دينار. وعليه فقد ارتفعت نسبته  إلى الناتج المحلي إلى 90.0% مقارنة مع ما نسبته 88.0% في نهاية العام الماضي. وقد جاء ذلك نتيجة لتوسع صافي الدين العام الداخلي بحوالي 925 مليون دينار، أو ما نسبته 6.7%، ليسجل قرابة 14.7 مليار دينار أو ما نسبته 52.0% من الناتج المحلي مقابل ما نسبته 50.0% من الناتج المحلي في نهاية عام 2016. من جهة أخرى فقد ارتفع الرصيد القائم للدين العام الخارجي بنسبة 5.3% ليصل إلى 10.8 مليار دينار؛ مسجلا ما نسبته 38.0% من الناتج المحلي مقابل 37.5% في نهاية العام الماضي. مع التأكيد، مرة أخرى، على أن البيانات المذكورة لا تشمل إصدار سندات "يوروبوند" الجديدة بقيمة مليار دولار، وفي حال تم احتسابها فإن رصيد الدين العام الخارجي يرتفع إلى 11.5 مليار دينار، ليقفز بنسبة ملحوظة تزيد عن 12.0%، مشكلا ما نسبته 41.0% من الناتج المحلي؛ وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها منذ عام 2007.

وتبعا لذلك فإن نسبة صافي الدين العام إلى الناتج المحلي سترتفع إلى ما يزيد عن 92.0% مقارنة مع ما نسبته 88.0% في نهاية العام السابق. وهو ما يعني أن الدين العام ما يزال ينمو؛ بالحجم المطلق أو كنسبة إلى الناتج المحلي، على العكس من التصريحات الحكومية التي حاولت تسويق إجراءاتها الأخيرة بأنها قد أسهمت في وقف الإرتفاع في الدين العام لأول مرة منذ سنوات!

وعلى الرغم من أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي تعتبر من أهم المؤشرات الاقتصادية، فإن الأدبيات الاقتصادية لا تتفق على نسبة معيارية يمكن استخدامها لتحديد المستوى الآمن لهذا الدين! وبالتالي فليس من السهولة بمكان القول بأن مستوى الدين العام في فترة ما أصبح يشكل خطراً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين! ففي الوقت الذي تشير فيه بعض الدراسات إلى أن النسبة الآمنة للدين العام إلى الناتج المحلي في الدول الناشئة  والنامية قد تكون بين 35%-55.0%، فقد أشارت دراسات أخرى إلى أن هذه النسبة لا تعد مؤشراً كافياً لوحدها.

إذ أن هناك عوامل أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن المستوى الآمن للدين العام، يأتي في طليعتها هيكل الدين العام من حيث آجال الاستحقاق والعملة والمصدر، وحجم الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية، وقدرة الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، وهيكل مالية الحكومة، وحصافة الإدارة المالية الحكومية، والقدرات المؤسسية للدوائر الاقتصادية ذات العلاقة. فالعاملان الأول والثاني مطئنان في ظل الإدارة النقدية الحصيفة ومستوى الإحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية وتركيبة الدين الخارجي الذي يمكن القول أن معظمه لآجال طويلة وبالدولار. وفيما يتعلق بالعامل الثالث فهو يزداد صعوبة وتكلفة، وخاصة مع خفض التصنيف الإتماني للأردن من قبل مؤسسة ستاندرد آند بورز والذي قد تتبعه مؤسسات مماثلة أخرى. أما العوامل الأخرى فهي، بكل أسف، غير مبشرة على الإطلاق!

 

 

Khaberni Banner
Khaberni Banner