Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

التغيير ووجدان المجتمع

التغيير ووجدان المجتمع

منذ وعى الإنسان إلى وجوده كذات فاعلة لا يتحدد وجوده بالتأثر فقط، بل وبالتأثير أيضا، حاول على الدوام أن يمارس خروجا عن النص باتجاه اقتراح انزياحات في المسارات التي استتبت عليها حياة مجتمعه، وهي الوظيفة التي أخذتها على عاتقها الذات الحرة التي أصرت على الدوام على رفض التأطير والتنميط، ومحاولة نقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى، غير أن ذلك لا يمكن أن يكون من دون مقاومة، فالمجتمع يعتاد في الغالب على تأسيس أدوات مقاومته، ويعززها بموروثات من الصعب كسرها أو تجاوزها. ضمن هذا المفهوم البسيط، والمعقد في آن، استقرت علاقة الفرد بالمجتمع؛ فرد يعيش ضمن المنظومة التي تشكلت على مدار عقود وقرون، ولا يرغب بمغادرتها والخروج عليها، وآخر يرى أن باستطاعته التأثير في هذه المنظومة من أجل الصالح العام، ويستطيع أن يجرها إلى مناطق جديدة يراها تطورا طبيعيا لمسيرة الإنسان في الحياة. لكن الصالح العام نفسه مفهوم مختلف لدى الطرفين، فالفرد الأول يراه بحماية المنظومة المجتمعية المستقرة عبر السنوات، ورفض المواجهة والاصطدام بالوجدان، ومقاومة أي شكل من أشكال التغيير عبر الاحتماء بـ”الثوابت” التي تعلي من شأن الفهم الجمعي للأمور واعتبارها مسلمات غير قابلة للدحض ولا للنقد. لكن النوع الثاني مختلف كثيرا، فهو يقرأ الواقع قراءة ناقدة متحللا فيها من جميع الاشتراطات المسبقة على الوعي، بل يتخفف من كل ذلك لاقتراح منحى التطور الذي يراه سيرورة تاريخية حتمية ومنطقية. وهو يؤمن أن العقل يتطور، وأن الذكاء الإنساني يرتفع مؤشره طبيعيا بتراكم الخبرات الإنسانية، وكل ذلك يقود بالضرورة باتجاه تحقيق هدف البشرية الأول والأعلى، وهو محاولة تحقيق السعاد للإنسان، لذلك فهو يقترح محددات التغيير وآلياته، من أجل تحقيق الهدف المعلن. الخطير في وعي وعمل هذا النوع، هو أنه لا يقيم قدسية لما استتب عليه وجدان المجتمع، لذلك، فمن الممكن أن يكون اصطدامه به مدويا وخطيرا لجهة محاولة هدم المقدس في الوجدان، سواء كان مقدسا دينيا، أو “ثوابت” قادت إليها تواطآت مجتمعية استتبت في الوجدان كمقدس من غير أن تكون كذلك. بين النموذجين بون شاسع؛ ثمة من يحاول الدفاع عن حالة راهنة ويتشبث بها متخوفا من تغييرها، ولا يستطيع التفكير في مآلات خروجه عنها إن جرؤ على ذلك. وهناك نموذج آخر يحاول تفكيك الحالة بأسرها، رافضا وضع قيود أو حدود لتطور العقل البشري، ومعتبرا إياه مصدرا للمعرفة. مشكلة هذا النوع، هو أنه قد لا يعي تماما منهجيته في هذا التغيير، وقد لا يعي العملية التي يؤسس لها، كما إنه في الغالب لا يمتلك إجابة واضحة عن الشكل الذي سيخرج به في النهاية، وهل هو قادر، فعلا، على تحريك المجتمع المتمترس خلف منظومته الدفاعية وقيادته نحو التغيير!

الغد

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner