الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

البُؤْس الكَرَوي !

البُؤْس الكَرَوي !

أضم صوتي الى ما قالته مغنية البوب البريطانية " فيكتوريا بيكهام" زوجة اللاعب الإنجليزي لنادي مانشستر سابقاً  ديفيد بيكام عندما قالت؛ " لا أعرف الكثير عن كرة القدم، لكنني أعرف معنى هدف وهو الأهم في كرة القدم". هكذا علينا أن ننظر لللعبة الكروية كما ننظر للحياة تماماً؛ فالحياة هدف وكذلك هي كرة القدم؛ اللعب بشغف لإحراز الهدف .

مباريات كرة القدم بشكل عام المحلية والعالمية على حد سواء أصبحت تشكّل مهرجاناً كونياً بكل الأبعاد، بفضل إمكانات البثّ الحيّ حيث تطلق حماساً منقطع النظير، وتخلق حالة غير مسبوقة من اللقاء الإنساني والشراكة الكونية.

تتحقق في المباريات إنجازات متفوقة ورائعة في جمالها، تكشف مدى القدرات الإنسانية مجسّدة في التعاون بين أعضاء الفريق الواحد، أضف الى ذلك الروح الجماعية التي تشكّل شرط هذا الإنجاز الإنساني المتفوق لدرجة تكاد الكرة الأرضية خلال المباريات تتحول الى كرة قدم.

أكثر من استفاد من هذه الرياضة الكروية هو ( الإعلام المرئي) فهو وجد ضالته الذهبية في هذه الكرة، من خلال بحثه الدائب للوصول الى جماهير متزايدة الأعداد باستمرار. لذلك إن أهم محطة إعلانية على الإطلاق هي في القنوات الفضائية التي تنقل مباريات كأس العالم والمباريات الأخرى الهامة.

تلك الرياضة الكروية الجماهيرية الكونية غدت في العصر الحالي الملتقى البشري ( الوحيد ) الذي يلقى التوافق والإجماع بلا منازع في عالم الصراعات والنزاعات والحروب؛ فهي المتنفّس الفعلي للشعوب المقهورة على وجه الخصوص والاندماج في الجماعة لدرجة الذوبان في (النحن الكروية). كيف لا وهي الفرصة الوحيدة للشعور بالوحدة العربية في عصر الخلافات والتشرذم العربي المُعيب.

تشكّل المباريات لحظات استعادة للذات، في تجربة جماعية فريدة تُدخل التوازن الى النفوس المعذّبة بالغربة والقهر والهدر والتهميش. ولكن يبرز الخطر الحقيقي حين تحلّ (النحن الكروية) محل (النحن الوطنية)، أو بتعبير أدقّ حين تُختزل الهوية الوطنية في النحن الكروية فقط، ويمسي الانتصار الكروي هو الأمل الوحيد مقابل الهزائم العربية العديدة المتتالية..

التوجه الحالي في الرياضة الكروية هو (البزنسة) - من البزنس- واستغلالها لأغراض السوق ومكاسبه؛ فتحولت كرة القدم الى مشروع تجاري ذي رقم عالٍ  يكاد يُنافس تجارة النفط. وأمست صناعة تدرّ مئات بلايين الدولارات،  الأمر الذي يتجاوز الميزانية الوطنية لبعض البلدان حتى المتقدمة تكنولوجياً، وذلك من خلال أسعار الدخول، والبثّ، والاشتراكات، والثياب والأدوات، والإعلانات.

كما تحولت كرة القدم كذلك الى صناعة نوادي لاختيار اللاعبين وتدريبهم وصناعة النجوم من بينهم، كلها أصبحت بزنساً تدرّ أسهمها في بورصة الأرباح الطائلة، ناهيك عن أسعار نجوم الكرة التي ما انفكّت تتصاعد كي تتجاوز ميزانيات جامعات عريقة، بعضهم يُطلق عليهم لقب (أغلى لاعب في العالم).

بات لتلك الرياضة ثقافتها الخاصة؛ فبالإضافة إلى المدربين والمديرين، هناك المذيعين والمعلّقين والمحللين والنّقاد، وتتغذّى هذه الثقافة بتعابير مثل (هدف بتوقيع) فلان من النجوم. وكأننا بصدد استبدال توقيع ( القدم ) بتوقيع ( القلم ) الذي ألفناه في الحديث عن روائع الفكر والأدب.

في هذا الواقع المؤسف لم نعد بصدد متعة اللعب وحماسه وحدهما، بل بصدد إبدال قضايا الوجود والحدود في آمالها وإحباطاتها، وكذلك قضايا الانتماء والهوية وإحلال المباريات ونجومها ومسمياتها محلها. غدت كرة القدم ومبارياتها على الصعيد الوطني والعربي والعالمي مجالاً لتجسيد البديل للنضالات الوطنية والمطلبية.

ما سبق يفسر لنا ظواهر الشغب والعنف التي تنفجر في بعض الملاعب سواء قبل المباراة أو بعدها في الواقع، والآن في العالم الافتراضي بالتلاسن الفيسبوكي وغيره، فذلك يشير الى إزاحة الإحباطات الوجودية من مواقعها الأصلية الى مواقع الملاعب والمباريات، خاصة بعد أن تم إخصاء قوى القتال والمجابهة في قضايا المعاش والمصير بمختلف ألوان القمع والمنع.

عدا ذلك ماذا تعني ثورات الغضب العارمة لخسارة الفريق الوطني وما يرافقها من عنف وتخريب؟؟ وما معنى استقبال مدرب الفريق وأعضائه بعد الفوز  وكأنهم أبطال التحرير؟؟ وماذا تعني الاحتفالات وإزعاج الآخرين لدرجة الاستفزاز لفريق وطني أو حتى عالمي؟؟

قضايا الفريق الرياضي الوطني تختزل قضايا الوطن لا بل تطمسها، فيتحول انتصاره الى ما يشبه الانتصار في معارك المصير، واختصار كيان بلد في نجومه الكروية كما تُختزل قضايا الشباب ورعايتهم في مجرد رعاية الأندية الكروية.. هذا هو البؤس بعينه.. فلم يعد غريباً أبداً أن تصبح (الفيفا) أكثر شهرة من اليونسكو مثلاً، ونجوم كرة القدم أكثر شهرة من العلماء والمفكرين، وأن تغدو رعاية الفريق الوطني أهم إنجازات الحاكم..

في الختام كلنا أمل أن ننتصر (عربياً) بالكرة بالحد الأدنى على العالم المتوحش الذي سلبنا كل شيء حتى كرامتنا، فلا يمكننا الانتصار في الميدان سوى بالكرة على الرغم أن العرب الى هذا اليوم لم يسجلوا أي انتصاراً كروياً للأسف الشديد، يبدو أننا اعتدنا على الهزائم !! أيوجد بؤساً أكثر من هذا البؤس الكروي؟؟!!

ربما يكون لنا من هذا الحديث بقية... دمتم...

#دة_عصمت_حوسو

#مركز_الجندر_استشارات_نسوية_اجتماعية

Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner