ربما بات من الضرورة أن نتوقف عند هذا الإغراق في بناء المساجد والبذخ فيها, بحيث أصبح كل حي لديه مسجد, مع مايرافق ذلك من غياب وتغييب لدور المساجد في أبعاده الحضارية و المجتمعية , فالمسجد لم يكن مكانا للصلاة فقط بقدر ما قدم شكلا من أشكال التفاعل الإجتماعي والحضاري والسياسي أيضا. وليس غريبا أن يرافق حالة الزيادة هذه نوع من "الفوضى" في الأذان, ففي الكثير من الحالات يرفع الأذان أشخاص ينقصهم جمال الصوت ومعرفة طرق الأذان ومقاماته, وما أن يحين وقت الصلاة حتى تتدافع الأصوات عبر مكبرات الصوت بصورة متداخلة تفقد هذا النداء قدسيته. وليس بذخا أن نطالب بمؤذن شجي الصوت كما أن ذلك لا ينضوي على مخالفة لقواعد الشرع وأحكامه, ففي السنة الثانية للهجرة أمر الرسول صلى الله عليه و سلم بلال الحبشي بأن يرفع الأذان للصلاة لأنه كان الأندى والأحلى صوتا مفضلا إياه على مسلم آخر.
على مدى التاريخ الإسلامي لم ينظر إلى الأذان بهذا التهميش كما اليوم, فالدولة العثمانية مثلا و التي حكمت العالم الإسلامي لستة قرون أوجدت مؤسسة خاصة للأذان وكان يعين في المدن الكبرى أمير للأذان, وخصص السلاطين قسما من سراي الحكم ل¯ "مؤسسة الأذان" كانت وظيفتها انتقاء أصحاب الأصوات الجميلة واخضاعهم لدروس في الموسيقى, وبعدها تجري منافسة بين المتقدمين لإختيار من يصلح منهم لأداء الأذان كما كان للمناسبات الكبرى كالأعياد والجمع مؤذنون خاصون يطلق عليهم كبار المؤذنين يكون كل واحد منهم مسؤولا عن 15- 30 مؤذنا.
ومما ورد في عدد من النصوص والمخطوطات الإسلامية "يلزم تعيين 24 مؤذنا, على أن يكون المؤذن مالكا وداريا بالمقامات الموسيقية وماهرا في فروع المقامات وفن توزيع الأدوار والترانيم.. ".
وفي وقفية أحد المساجد التركية نظالع: ".. يتم تعيين اثني عشر نفرا كمؤذنين للأوقات الخمسة, على شرط أن يتمتعوا بالعفة والصلاح الديني, وأن يكون كل منهم عالما بفن المقامات, وبصيرا بعلم الميقات, وذا أنفاس قوية, رفيع الصوت..".
وفي إيران حيث كنت أعيش هناك مؤذنون أعلام لديهم مقام لكل أذان صلاة; وهو أمر شائع في تركيا أيضا حيث تختلف المقامات ذات الأصول الفارسية من أذان لآخر; فيقرأ الأذان على مقام (الصبا) بالنسبة لصلاة الفجر , وعلى مقامي راست وحجاز لصلاة الظهر, ومقامات بياتي وحجاز للعصر, وأذان صلاة المغرب على مقامات حجاز وراست, أما بالنسبة لمقام أذان العشاء فكان يؤذن على مقامات حجاز وبياتي وراست ونوا, وهناك مقامات لرمضان والعيد, وقد يقوم مؤذنان بالأذان في وقت واحد بالتناوب- تقليدا لما كان يتم في العصر الأموي لكن دون أن يختلط صوت بآخر. وفي مصر كان الأزهر يشترط العلم بالمقامات الموسيقية لمن أراد أن يتصدى لمهمة المؤذن, وعرف عن الشيخ مصطفى اسماعيل, اداؤه الغني بالمقامات.
كان عليه السلام يقول :"ارحنا بها يا بلال " فبا الله عليكم كيف نسمح بتحويل النداء الألهي من نداء للراحة والسكينة إلى ضجيج يمارسه هواة عبر مكبرات الصوت? أنا شخصيا لا أحب الأذان على الطريقة الأردنية فهل تحبونه أنتم?.
العرب اليوم



