الرئيسية/نبض الشارع
Khaberni Banner Khaberni Banner

اردني ولد في العراق واغتيل في مصر لاجل فلسطين

اردني ولد في العراق واغتيل في مصر لاجل فلسطين
المرحومون الملك الحسين ووصفي التل وحابس المجالي

هزاع البراري خبرني - ومن قمة الشعر والانحياز للحياة أطلق وصفي لقادم أيامه العنان ، وهو المولود بعيداً عن الوطن وأرض الأجداد وحمى الأعمام ، وكأنه أخذ من ترحال والده القلق الشيء الكثير ، فوالده الشاعر مصطفى وهبي التل )عرار) على سفر واضطراب دائمين، فلقد ضرب في سبيل العلم في الأرض، حتى أحط الرحال شمال العراق في (اسكي شهر) الكردية السكان ، ملتحقاً بعمه علي نيازي ، فداوى وجع غربته بالسكن إلى الفتاة الكردية (منيفة) متخذها زوجة تضيء مسالكه الوعرة والتي لا يتيقن أين تمضي . وفي العام 1919 م ،ولد وصفي التل بين أخواله بعيداً عن عين والده الذي عاد قبل ذلك إلى اربد ،فنشأ في طفولته الأولى في (اسكي شهر) حتى حمله جده لأمه، وأحضره مع أمه إلى والده في اربد سنة 1924 م ، ليبدأ وصفي مخاض مولده الجديد ، في الأرض التي ستحمله ويحملها ما دام في الوطن ذاكرة ورجال أوفياء ، وكان لتقلبات حياة ( عرار) أن حرمت ابنه وصفي ، التمتع بحنان ورعاية الأب الدائمة ، فتولاه جده صالح المصطفى بالرعاية والتربية، وهو رجل علم ومعرفة ، فالتحق وصفي بالمدرسة مع أنه لا يتقن من اللغة العربية ما يتقنه أقرانه ، بل إنه ابتدأ تعلم اللغة في سنة السادسة ، وبسرعة أشارت على ما يتمتع به من ذكاء مبكر، كان الصفة الأبرز في حياته كلها. كان وصفي مفطوراً على حب الوطن الممتد ببعده القومي الكبير ، وقد تأثر وعدد من أبناء جيله بما يجري في فلسطين أثناء الثورة الفلسطينية سنة 1936 م فأسسوا جمعية سرية نضالية باسم( الكف الأسود ) ،وقد قاموا بعدد من المحاولات التي اعتقدوا حينها أنها تعبر عن موقفهم ، وسجنوا ذات مرة لفترة من الزمن ، بعد المرحلة الإعدادية انتقل وصفي التل إلى مدرسة السلط باعتبارها الثانوية الوحيدة في تلك الفترة ، حيث عرف بنبوغه في الدراسة وحبه للقراءة ، فحصل على بعثة حكومية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت التي ضمت الثلاثة الأوائل في الثانوية العامة، فكانت بيروت والجامعة يشكلان معاً مجالاً رحباً، وغنياً بالمعارف والآراء، دفعت بوصفي إلى آفاق جديدة أسهمت في بناء شخصيته على أسس متينة ، حيث كانت الجامعة مسرحاً لإرهاصات الحركات القومية باتجاهاتها المختلفة . فبعد فترة استقصاء ونقاش التحق وصفي بحركة القوميين العرب ، وتدرب على استعمال السلاح لإيمانه هو ورفاقه بحتمية المواجهة مع الاستعمار والصهاينة ، في العام 1941 أنهى وصفي دراسة الجامعة في الطبيعيات والفلسفة جامعاً بين المواد العلمية والأدبية. عمل التل مدرساً في الكرك فالسلط، ليعود معلماً في المدرسة التي تخرج فيها ، لكنه عزل وسجن عندما طالب بالإفراج عن والده (عرار) المعروف بمواقفه التي تخرج عن حدود الالتزام بمحددات الوظيفة الرسمية . بعد ذلك رغب وصفي بالالتحاق بالجيش العربي الأردني لكن طلبه رفض كونه يحمل شهادة جامعية ، ولرغبته في تعلم أصول القتال و الحياة العسكرية، تحسباً للمرحلة المقبلة، دخل الجيش البريطاني بعد التشاور وأخذ موافقة حركة القوميين العرب ، التي أدركت مرامي وصفي في ضرورة التدرب الحقيقي على حمل السلاح والقتال ، وفي العام 1945 عاد وصفي للحياة المدنية ، فذهب إلى القدس والتحق بالمكتب العربي الذي ضم نخبة من أبناء فلسطين والعرب ، لكنه سرعان ما نقل إلى فرع المكتب في لندن لمعرفته الجيدة باللغة الانجليزية ولذكائه وجديته بالعمل ، فلفت أنظار موسى العلمي فقربه اليه وأصبح أميناً لسره ، وتم اختياره في اللجنة المكلفة بصياغة التقرير عن قضية فلسطين لتقديمه للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة ، وكان التقرير ذا فائدة كبيرة ، وقد اتبع وصفي ذلك بمذكرة قدمها للعلمي تتضمن أفكارا حول مواجهة الغزو الصهيوني من خلال تشكيل قوات مقاتلة فلسطينية بعد قرار التقسيم لبّى التل نداء اللجنة العسكرية في دمشق والتحق بجيش الإنقاذ العربي ، فكان قد انتظر هذه اللحظة، وأعد نفسه لها منذ زمن طويل ، فعمل ركناً للعمليات واضعاً خطة عسكرية محكمة لم يؤخذ بها ، بعد ذلك أصبح قائداً لفوج اليرموك الرابع في الجليل ، وخاض معركة الشجرة حيث أصيب بشظية ، بعد النكبة انتقل وصفي من جنوب لبنان إلى الجولان، ثم سجن في سوريا لمعارضته وقف القتال ضد الصهاينة ، حيث أبعد بعد ذلك إلى الأردن ، فعاد للعمل الحكومي كموظف مأمور تقدير في الإحصاءات ، وفي العام 1951 م عقد قرانه على سعدية كريمة الزعيم السوري إحسان الجابري ، وبقي متصلاً بالسياسة، وكان صديقاً للقوميين العرب في عمان ، وعندما أسسوا جريدة عام 1953 م هو من أطلق عليها اسم (الرأي) . وفي عهد وزارة سعيد المفتي أصبح وصفي مديراً للمطبوعات ، وفي عام 1956 م انتقل إلى وزارة الخارجية وأرسل مستشاراً في السفارة الأردنية في ألمانيا الغربية ، وبعد عام واحد نقل التل إلى عمان ليصبح رئيس التشريفات في الديوان الملكي ، لكنه سرعان ما ارتحل إلى طهران قائماً بأعمال السفير الأردني ، وفي حكومة هزاع المجالي الثانية 1959 م أستدعي التل ليكون رئيساً للتوجيه الوطني والإذاعة الأردنية. لقد آلمه اغتيال صديقه هزاع المجالي ، فهو صديقه العزيز فعلاً ، فكتم وجعه وقال( " إذا مات منا سيد قام سيد" وخير ما نرد به على الأشرار أن نبقى على طريقنا) ، في سنة 1960 م أصبح التل سفيراً في بغداد ، بعد ذلك بعام أصبح وصفي التل رئيساً للوزراء وهو لم يتسلم منصباً وزارياً قبل ذلك ، وقد اعتمد في تشكيله للحكومة على الشباب بعيداً عن الأسماء السياسية التقليدية ، وكان هاجسه إصلاح الجهاز الحكومي ، لذلك عقد امتحانات كفاءة للتعيين في الخارجية والداخلية ، واصدار قانون العفو عن المعتقلين السياسيين . في 2/12/1962 أعاد وصفي تشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعية من نفس طاقمه السابق مع إضافة وزير جديد لها ، أما الوزارة التالية فقد ألفها وصفي التل سنة 1965 م ، والتي تخللها ازدحام الساحة المحلية والعربية بالأحداث والتطورات، ومحاولة عدة أطراف التدخل بالشأن الداخلي الأردني ، وفي 4 آذار 1967 م استقالت الحكومة لتفسح المجال أمام حكومة أخرى للإشراف على الانتخابات النيابية ، حيث أصبح وصفي رئيساً للديوان الملكي. أما وزارة وصفي الثالثة فقد ألفها في تشرين الأول 1970 م واستمرت حتى 28 تشرين الثاني 1971 م في أعقاب أحداث أيلول 1970م، وعمل مع المخلصين على حماية الوطن وحفظ امن المواطن لما فيه مصلحة الجميع ، وقرر فيما بعد المشاركة في اجتماعات مجلس الدفاع المشترك في القاهرة ، ورغم نذر الشر وتحذير عدد من الأصدقاء له بعدم السفر، إلا أنه أصر من اجل القيام بواجبه الوطني والقومي ، غير أن خيوط المؤامرة كانت حالكة السواد، حيث سهلت مهمة الجناة في الوصول إليه، وهو يهم بالدخول إلى فندق الشيراتون في القاهرة ، ويطلقون النار عليه فيسقط شهيداً، ترتفع به الجراح عالياً فوق كل قبح من دبروا وتآمروا لإنهاء حياة هذا البطل الأردني، والمناضل العربي الكبير فلقد ولد في قرية بشمال العراق ، واغتيل في القاهرة، وعلى ضفاف النيل الذي سيبقى شاهدا على كبريائه وعزة نفسه . سيبقى وصفي التل حاضراً رمزاً، ورجل تاريخ عز نظيره، ومحط فخر واعتزاز ، فالأردن وفياً لرجاله ما دامت الأرض ارضاً والسماء سماءً ، يرحمك الله يا أنبل الشهداء
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner