الرئيسية/العالم
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

اجتياح غزة تحدٍ متعدد لإسرائيل

اجتياح غزة تحدٍ متعدد لإسرائيل

حسن الشامي خبرني – في اجتماع عقدته هيئة اركان الجيش الاسرائيلي يوم 12 تموز 2006، كان المشاركون يواجهون واقع ان الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان قبل اقل من اسبوع لم تحقق اهدافها، وربما كانوا بدأوا يتلمسون حقيقة انها قد لا تحقق هذه الاهداف، طالما لم يحدث ذلك في الايام الاولى للحرب. وقتها، ووفقا لمعلومات افرج عنها اخيرا، نصح رئيس شعبة العمليات في هيئة الاركان اللواء جادي ايزنكوت زملاءه بالتوقف عن القصف المتواصل، واخذ الوقت اللازم للتفكير في اسباب «عدم النجاح»، ومن ثم اعادة تنظيم العملية، والتفكير في «ماذا نريد ان نحقق؟». غني عن البيان، ان هيئة الاركان الاسرائيلية العسكرية ثم السياسية، لم تأخذ بتلك النصيحة، فكان الذي حصل بعد ذلك، وكشفت عنه تطورات الحرب ابان احتدامها، وناقشه تقرير فينوغراد. اليوم، يبدو ان قيادة اسرائيل تعلمت درس التأني، وهي تبحث عن سبيل للخروج من مأزق صواريخ القسام بين غزة وحماس. لا يمر يوم الا ونسمع تصريحا من قائد اسرائيلي، سياسي او عسكري، يهدد صراحة باغتيال قادة في حركة حماس، او يلوح ضمنا باجتياح غزة. على مستوى القادة السياسيين، يجرى الحديث عن ضرورة «التروي» وعدم الانجرار وراء الغضب في صياغة خطط اجتياح القطاع، لان «الغضب ليس خطة عمل»، على حد تعبير رئيس الوزراء ايهود اولمرت، اثناء جلسة عقدتها حكومته لمناقشة «سبل الثأر لسكان سديروت من مطلقي صواريخ القسام».. والصورة تبدو لوهلة، وكأن اسرائيل في مواجهة جهة سهلة اسمها غزة، اما الواقع، فغير ذلك تماما، «القسام» باتت بمنزلة العبارة المركزية في التصريحات الاسرائيلية، وعنوانها الهاجس الذي يحرك الدعوات الى وجوب الاتيان بعمل ما. وفي ظل هذا الهاجس لا تنفك قيادة الاركان العسكرية عن الاعلان انها تعقد اجتماعات، وانها تضع الجيش على اهبة الاستعداد، «ولكن».. لماذا؟ كلمة «ولكن» قاسم مشترك بين مختلف التصريحات عن وجوب اجتياح غزة، والتهديد به. «ولكن» عند الجيش، تعني وجوب الاستعداد الكافي ودراسة كل الاحتمالات. وتعني عند السياسيين وجوب التروي في كل شيء. وعند الجميع تنبع هذه ال «ولكن»، من وقائع على الارض اليوم، ودروس ماض لا يزال حاضرا بتفاصيله في الاذهان. بين السياسي والعسكري في الوقائع على الارض، تتشابك المعطيات بين السياسي والعسكري الميداني، في السياسة يتوزع اركان الفريق الحكومي بين اهتمامات شتى: اولمرت ومن معه يحتاجون إلى كل الوقت لامتصاص ما تبقى من صدمات تقرير فينوغراد، والمضي في سياسة التسوية (ليست بعيدا جدا)، واستغلال كل الوقت اللازم في التحضير للعملية المقصودة لعلّ ذلك يكون سبيلاً الى تلافي هزيمة اخرى، او «لا انتصار» آخر على الاقل. وفي الطرف الاخر من الفريق الحكومي، وخصوصا الطرف الاساسي الذي يمثله زعيم حزب العمل وزير الدفاع ايهود باراك، ثمة حسابات سياسية خاصة، غني عن القول انه يدخل في بعضها التناحر الحزبي الذي لا يهدأ إلا ويبقى جمرا تحت الرماد، وفي بعضها الاخر سياسة خاصة يعتنقها باراك، تقوم على البحث عن سبيل لاحياء المسار السوري في العملية السلمية. لكن باراك السياسي لا ينسى يوما انه الجنرال الذي يقدم نفسه على أنه قادر على «ابتداع» اجتياح لغزة بأقل الخسائر، يرفده في ذلك رئيس اركانه غابي اشكنازي. وباراك الذي لا ينسى يوما غله من اضطراره الى الانسحاب من لبنان في مايو 2000، يريد ان تطلق يده في العملية العتيدة لغزة، لذلك تراه غاضبا من «ثرثرة» زملائه في الحكومة عند مناقشة الموضوع، ويدعوهم بالكف عن ذلك، لان «الثرثرة» تساعد «حماس» في الاستعداد الافضل لعملية محتملة للجيش الاسرائيلي، وفق باراك. هذه «الوقائع» السياسية تبدو في جوانب منها ملتبسة على الفهم، او مغلفة بنوايا مبطنة، خصوصا ان بطليها اولمرت وباراك، يسعيان بكل ما لديهما من جهد إلى استنفاد ما لديهما من وسائل المناورة، وعين كل منهما على ما يريد تحقيقه وقلبه على ما يخشى ان يصيبه. اما الوقائع الميدانية فهي واضحة بما يكفي، وعليها تبني القيادة الاسرائيلية خططها المؤجلة التنفيذ، ومنها تستمد صبرها... والصبر هنا ليست فضيلة يتحلى بها قادة اسرائيل بل هي في اطار «مرغم اخوك لا بطل».. فما الذي يرغم اسرائيل على هذا الصبر؟ «حماس» اليوم ليست كحماس الأمس. فهي لا تنفك تطلق صواريخها عقب كل ضربة اسرائيلية توجه اليها، وتغتال قادة عسكريين ومقاتلين منها ومن «الجهاد». وثمة قناعة لدى الجيش الاسرائيلي بأن حماس طورت سلاحا مضادا للدروع (صواريخ وراجمات) تحتفظ بها للوقت المناسب، مما يجعل من اي توغل بري عملية محفوفة بالمخاطر. والحال، فإن اسرائيل تقف ازاء معضلة الرد الذي تريد منه اسكات صواريخ القسام اليوم، فيما الواقع ان كل رد قامت به حتى الآن لم يؤد الهدف.. فما العمل؟ لا بأس باستمرار الصدام الجبهوي «لعل وعسى»، لكن مثل هذا الصدام يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة، مادامت الصواريخ تطال البلدات الاسرائيلية، حيث يبدو ان «حماس» عرفت اين «الخاصرة الرخوة» لاسرائيل. وحماس لا تواصل مثل هذه العمليات الا لانها مقتنعة بان اسرائيل تخشى العملية الواسعة.. واسرائيل هي كذلك، لان الممسكين بقرارها اليوم، سياسيا وعسكريا، تتملكهم مثل هذه الخشية: اولمرت ليس في وارد المغامرة بما تبقى له من مستقبل سياسي، وباراك ليس مستعدا للتضحية بفرصة استعادة هيبته قائدا عسكريا (رغم انه وزير) وقائدا سياسيا للمستقبل.. والاثنان لا يريدان ان يقدما لخصم مشترك يشحذ اسلحته السياسية اسمه بنيامين نتانياهو. بدائل أحلاها مرّ وفي الجيش، كما في اجهزة الأمن الاستخباراتي، ثمة اياد كثيرة تحك الرؤوس بحثا عن سبيل يمنع تكرار الدرس الأليم في حرب لبنان عند اجتياح غزة. وفي هذا السياق، ثمة سيناريوهات مختلفة للاجتياح المرجو، ابرزها ثلاثة، ولكل منها مزاياه ونواقصه. السيناريو الأول: عملية برية تملك امكانية تصفية نار «القسام» على المدى البعيد، لكن لمثل هذه العملية ثمنا دمويا باهظا، وليس من الواضح ما اذا كان الخروج منها سيكون معلوما. السيناريو الثاني: رد اكثر حزما على الصواريخ، لا يزال «حبرا على ورق». السيناريو الثالث: تصفيات منهجية لقادة حماس، تضعف بنيتها السياسية والعسكرية، لكن مقابلها ستكون اسرائيل في مهب رياح عمليات انتحارية لم تهدأ أصلا. القبس    
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner