الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

إنكفاء أم استخذاء؟!

إنكفاء أم استخذاء؟!

في المواقف الصعبة والمحطات المفصلية في تاريخ الأمم والشعوب تظهر الأمور على حقيقتها، ولا يحتاج المتابع إلى شديد عناء ليعرف الصادق والمخلص والحر من المدّعي والخائن والخانع حيال القضايا المصيرية. وهكذا كان، فقد التأمت قمة إسنطبول الأسبوع الماضي لبحث رد الدول الإسلامية على قرار الرئيس الأمريكي العدواني حول القدس الشريف. ورغم أن جدول الأعمال لم يحمل سوى بنداَ واحدا كان واضحا كل الوضوح، وكان هدفه إثبات أن هذه الأمة ما تزال حية، وما زال الشرف يسير في عروق أبنائها الذين يعرفون رمزية أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسجد عمر وحائط البراق، وكنائس "القيامة" و "الجثمانية" و "نياحة العذراء" وغيرها الكثير من المقدسات، رغم ذلك كله فقد كان الحضور على مستوى الملوك والأمراء والرؤساء شديد التواضع، بل وبالغت دول في إظهار عدم رضاها عن لقاء يمثل وحدة العرب والمسلمين دفاعا عن القدس من خلال إرسال ممثلين بمستويات متدنية، فيما غابت أخرى كليا، تحت وسائل الترغيب والترهيب المعروفة!

وقد كان لافتا غياب قادة دول لها وزن إقليمي، لا فضل لقادتها في الوصول إليه، حيث جاء إما بحكم حجمها أو ثرواتها أو موقعها الجغرافي أو رمزية مقدسات تقع ضمن حدودها. جاء ذاك الغياب، المعيب، بعد أن كان لهذه الدول حضور لافت في مثل هذه المحافل قبل أن ينكشف الغطاء وتتبين الحقائق وتنكشف المخططات وتظهر الأجندات التي كانت خافية على العامة، وكان الساسة يتحدثون عنها في الغرف المغلقة لألف سبب وسبب! وكثر الحديث والتحليل و "التأويل" حول أسباب الغياب ومعاني التصريحات والتلميحات واللقاءات، التي سبقت انعقاد القمة أو رافقتها أو تبعتها، وعكست واقعا جديدا أقرب ما يكون لظهور شللية إقليمية!

المحللون وأجهزة الإعلام التي تسيطر عليها "دول الغياب" حاولت التبرير بعرض أسباب واهية؛ كالظروف الصحية والإرتباطات المسبقة وحساسية الظروف التي تمر بها دول القادة الغائبين، أو المغيبين. وعلى الطرف الآخر كان أكثر المحللين والمتابعين، في الدول الإسلامية والغربية، يتحدثون عن أسباب أخرى. فبعضهم رأى أن ذلك الغياب قد جاء في ضوء سياسات جديدة تنتهجها هذه الدول، تقوم على الإنكفاء والإنزواء بعد أن "أتعبتهم" مشاكل العرب والمسلمين لعقود خلت! وأصبح تركيز هؤلاء القادة منصبا على معالجة المشاكل والتحديات وتحقيق الرؤى الوطنية، التي أعدتها بيوت خبرة دولية في بضع أسابيع مقابل مئات الملايين من الدولارات، وأخذت الحكومات في "دول الغياب" تتحدث عن ضرورة مراجعتها وهي ما تزال حبرا على ورق، وأغلب الظن أنها ستبقى كذلك في ظل انعدام المؤسسية والسياسات الإنفعالية وحالة عدم التيقن التي تتعمق، في هذه الدول، يوما بعد آخر!

أما محللون ومتابعون آخرون فقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث رأوا بأن هذه الدول قد دخلت علانية في مرحلة جديدة يمكن أن يطلق عليها "مرحلة الإستخذاء"، ولم يعد لها من دور سوى الإذعان للرئيس الأمريكي الذي أصبح الصديق الصدوق والناصح النصوح الذي يعمل جاهدا لما فيه مصلحة شعبه وشعوب العالم أجمع، حسب رأي بعض القادة والمشايخ! وربما ليس مبالغة القول بأن الرئيس ترامب يتمنى، في قرارة نفسه، العيش في "عواصم الغياب" بعيدا عن واشنطن؛ ففي هذه العواصم يستقبل استقبال الفاتحين والمنقذين العظماء، في الوقت الذي يواجه فيه في واشنطن سلسلة غير متناهية من الفضائح، وموجة من الإزدراء والإستهزاء، وأصبحت قراراته وتصرفاته تشكل مادة دسمة للسخرية في الصحافة الأمريكية!

عقدت القمة، وكانت الأجواء الإقليمية والدولية مهيأة لأي قرارات حاسمة وجريئة، بعد أن رفض العالم أجمع قرار الرئيس الأمريكي، وظهرت الولايات المتحدة معزولة في مجلس الأمن، وفشل رئيس الوزراء الإسرايلي في الحصول على أي دعم أو ترحيب بذلك القرار الأحادي من جميع المرجعيات الأوروبية. ورغم تمكن القمة، بفضل جهود الملك وقادة الكويت وقطر وتركيا ولبنان وفلسطين، من الخروج بقرارات مهمة يجب أن تظهر نتائجها في الأسابيع القادمة، فقد كانت رسالة "دول الغياب" قد سبقت ذلك، من خلال غياب قادتها، وكان مفادها نحن لسنا مع قرارات القمة، بل نقف في صف الولايات المتحدة التي ما زلنا نرى فيها راعيا ووسيطا نزيها لعملية السلام! طبعا، من حق أي عربي أو مسلم أن يتسائل عن أي سلام يتحدث هؤلاء؟! ومن حقه أن يقول بأن لا سلام بدون القدس التي يفديها أبناء الأمة الشرفاء بأرواحهم؛ بأيدي هؤلاء الشرفاء سيعود بهاء القدس، وبأيديهم للقدس سلام. أما أولئك الذين لم تعد القدس تعني لهم شيئا، فلا نقول لهم إلاّ "سلاما"...

Khaberni Banner
Khaberni Banner