الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

إلى الضمير الراقد في (العيزرية)

إلى الضمير الراقد في (العيزرية)

سلامٌ عليك أيها الضمير الراقد هناك منذ تسعة سنين، سلامٌ عليك وفي ذكرى رحيلك لنا خليطٌ من وجعٍ وفخر، خليط من ألمٍ ونصر، خليط من حزنٍ وصبر! سلامٌ عليك أيها الضمير إذ تقرأ في سنويتك التاسعة اليوم عناوين القمة العربية وبيانها الختامي فتعرف أن لا شيئ تغيّر منذ رحلت عنا سوى شيئا واحدا : لم تعد فلسطين قضيتنا الأولى و العراق ثانيها ، أصبح لدينا اليوم قضية مركزية اسمها فلسطين، وقضايا أخرى كثيرة عناوينها كل بلدان الوطن العربي الضائع!

هي الذكرى التاسعة على ذلك الصباح النيساني الذي أفقت فيه على الدنيا لأول مرة بلا أب،،، يومها لم أحزن كثيرا ، أو ربما أخذني مشهد جنازتك بشيئ من العزة والفخر وأنا أبصر كل هذه الحشود التي وقفت تحت المطر الغزير منتظرة أن تعزينا في أحمد الدباس،،، من يومها و جملتك الشهيرة ترن في إذني ... لم ينقطع صداها يوما واحدا مذ رحلت عنا " الرزق على الله ... والسمعة عند عباد الله " من يومها و أنا أفهم أكثر ما كنت تقصده بهذه الجملة : أن نحافظ على سمعتنا طيبة خيّرة نظيفة طاهرة خير من الدنيا وما فيها!

وأبشرّك اليوم يا "أبو علي" ... أن ابنيك الذين رزقك الله بهم " على كبر" ... لا زلنا نمضي و نحن نتباهى بأن أبانا علّمنا أن نقول لا للظلم ، و أن نحترم الوعد ، و أن نفي بالعهد ، و أن لا نخون يداً بيضاء ، و أن لا نصافح يداً سوداء ، و أن لا نتاجر لا بالاوطان و لا بالدماء ، و أن لا نكون إلا كما أنت " ضميرٌ " بالحق، لا نخشى في قول الحق من تبعات ، نصدق في النصح ولا نغالي في المدح!

أبوح لك اليوم بأشياء جاءتني جرأة البوح بها علنا ، وهي جزء قليل من أسئلة كثيرة " من نفسي" أن أسألك إياها؟ لماذا كنت تخفي كل هذا الكم من البطولة عنا ؟ قبل سنتين التقيت مصادفة بصديق قديم لك، أخبرني عن قصتك في مقر الهلال الأحمر العراقي أثناء قصف التحالف الثلاثيني وأنت تنبطح فوق كراتين الدواء التي جاءت تبرعا من الشعب الأردني لتحافظ على ايصالها لمستحقيها قبل أن ينهبها تجار الحروب .... لماذ أخفيت عنا ذلك ... أخشيت أن نختال بين الناس ونعرّف بأسمائنا الثلاثية؟؟

ثم لماذا عودتنا أن لا نستعمل الاسم الثلاثي ؟ هل كنت تخشى أن تلاحقنا "الأجهزة" ؟ إذاً سأقول لك سرا صغيرا : أصبحوا يترحمون على أمثالك ... أم أنك كنت تخشى أن "نشوف حالنا" ونستغل سمعتك الطيبة بين الناس ؟ وأعترف لك إمعاناً في البوح ها هنا: هذه السمعة مرهقة فعلاً ... فهي أشبه ما تكون "برهان ربه" في قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، إذ كلما راوغتنا نفسنا لنحيد عن المبادئ الصارمة جدا التي رسمتها لنا ، تذكرنا سمعتك ، فقلنا " معاذ الله" أن يقال يوما أن أحمد وعقبه حادوا عن الرسالة ... رسالة قول الحق!

لماذا أخفيت عنا مثلاً عودتك " الضميرية " الى الأردن من ألمانيا ، والتي كشفها الاستاذ فوز الدين بيسومي في مقالته التي أبّنك فيها حين قال (( وفي البعثة التي تحققت لأحمد الى ألمانيا، أعجب الألمان بذكاء هذا الصحفي القادم من الأردن والمجدّ عندهم آناء الليل وأطراف النهار حتى ان السيد هانس كلاين الملحق الصحفي في السفارة الألمانية أخبرني حين التقيته في بون عام 1972 أن الحكومة الألمانية قد عرضت على أحمد الدباس أن يعمل لديها وأن يكون واحدا من طاقم وزارة الاعلام في بون لكن احمد اعتذر برفق لأنه يفضل أن يوظف خبراته في خدمة الأردن وشعبه )) !!

أعترف لك اليوم أنني اشتقت لك، وأنني افتقدك في ظل كل هذه " الخربطة " في خريطة وطننا العربي الذي علمتنا أن ننتمي إليه، أعترف لك اليوم أنني أتمناك قربي كثيرا بقدر ما كنت أحاول الابتعاد عنك في حياتك ، واعترف لك أكثر أن اسمك عندي كنزٌ أحتفظ به كما يحتفظ التجار بسبائك الذهب...فأنا اين ضمير الصحافة الأردنية الذي استحق لقبه دون منازع!

منذ الصباح وأنا أذكر ذلك اليوم النيساني أيضا الذي ترشحت فيه لانتخابات نقابة الصحفيين عام 1999 وكانت تجربتك النقابية الثالثة، يومها وأثناء الفرز كانت تخرج أوراق من الصندوق فيقرأها الفارز : الضمير ، الضمير ، الضمير ... وتكررت الحالة و في كل مرة كان الصوت المكتوب به "الضمير" يحسب لك ، سألتك يومها ما الذي يحدث فقلت لي أن هذا لقبي في النقابة " الضمير " ... لم تعر الموضوع أي اهتمام ولم تشرح أكثر .... بعد أن توفّاك الله جلست مع رفاقك الصحفيين وقرأت مقالاتهم التأبينية وفهمت قصة اللقب وكيف أصبحت أنت بكل تواضع : ضمير الصحافة الأردنية !

أبو علي ... أيها الضمير الراقد في العيزرية .... كل عام وأنت عند الله أكرم!

Khaberni Banner
Khaberni Banner