الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

إقتصادي أم رجل أعمال؟!

إقتصادي أم رجل أعمال؟!

من الأخطاء التي يرتكبها العامة في بعض الأحيان إطلاق المصطلحات بصورة غير دقيقة، ولعل من الأمثلة على ذلك الخلط بين صفة "الإقتصادي" و"رجل الأعمال"، حيث تجد البعض يصف الأخير ب"الإقتصادي"، ولا شك أن في ذلك خطأ كبير.

فالإقتصادي شخص درس علم الإقتصاد وتخصص فيه، ولديه القدرة على تقييم سلوك الوحدات الإقتصادية، من أفراد وشركات ومؤسسات، من خلال دراسة عوامل العرض والطلب أوإنتاج وتوزيع السلع والخدمات، مستخدما نماذج رياضية و/أووقياسية لتحليل البيانات والمعلومات المتاحة حول المتغيرات والمؤشرات الإقتصادية؛ مثل الأسعار، ومعدلات الضرائب، ونسب البطالة، وحجم السوق، والعجوزات أو الفوائض المتحققة، ومعدلات النمو ومصادرها. ويرمي من وراء ذلك إما لشرح التطورات الإقتصادية وتفسيرها، أو لتوقع الإتجاهات المستقبلية على المستوى القطاعي، مثل أداء القطاع الصناعي أو قطاع تجارة الجملة والتجزئة وقدرته التنافسية، على سبيل المثال وليس الحصر. كما قد يكون التحليل والتقييم على المستوى الكلي؛ مثل دراسة معدل النمو الإقتصادي، وعجز الموازنة العامة، وعجوزات ميزان المدفوعات، ومعدل التضخم، وغيرها، ومن ثم اقتراح السياسات والإجراءات الهادفة لتحسين مستوى الأداء الإقتصادي، أو تلافي الأزمات والتحديات الإقتصادية أو تعمقها.

 وخلال قيامه بذلك يفترض بالإقتصادي أن يأخذ بعين الإعتبار العوامل السياسية والاجتماعية والجغرافية المؤثرة على المؤشرات والمتغيرات التي يقوم بدراستها وتحليلها. وليس من المستغرب أن تختلف عملية تفسير النتائج واقتراح السياسات الملائمة من اقتصادي إلى آخر؛ تبعا للمدرسة الإقتصادية التي ينتمي إليها. كما أن الإقتصادي ليس معصوما عن الخطأ؛ سواء في التحليل أو التفسير لأنه يتعامل مع متغيرات وسلوكيات بشرية وإجتماعية وسياسية لا يمكن السيطرة عليها.

 ومن الجدير ذكره أن أشهر مدرستين إقتصاديتين في التاريخ المعاصر هما المدرسة الكينزية والمدرسة الكلاسيكية، حيث سادت الأولى حتى منتصف القرن الماضي، في حين أصبحت الثانية هي السائدة منذ توقيع اتفاقية بريتون وودز، عام 1944. وكانت هذه المدرسة مسؤولة بشكل مباشر عن الأزمة المالية والإقتصادية في عام 2008، والتي ألزمت الدول الغربية على الإعتراف بفضل المدرسة الكينزية وإتباع الكثير من السياسات والإجراءات التي تنادي بها، بالتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، علما بأن عقيدة هذه المؤسسات تقوم على مبادئ المدرسة الكلاسيكية!

وقد ظهر أول استخدام لمصطلح "إقتصادي" باللغة الإنجليزية (Economist) في أوخر القرن السادس عشر. ونظرا لاتساع المساحة التي يستخدم فيها علم الإقتصاد، فقد أصبح هناك تخصصات كثيرة جدا ضمن هذا العلم تدرس في الجامعات. وعليه فقد أصبح من الطبيعي أن يكون هناك اقتصادي متخصص بالتنمية الإقتصادية، وآخر بسوق العمل، وآخر بالسياسة النقدية، وآخر بالمالية العامة، وهكذا. ويكون العامل المشترك بين الجميع فهم أساسيات عام الإقتصاد وإدراك العلاقة بين المتغيرات المختلفة.

 وعليه فعندما يفكر الإقتصادي في رفع نسبة الضريبة، مثلا، فإنه لا ينظر فقط إلى حصيلة الإيرادات المتوقعة من وراء هذا الإجراء خلال شهور أو حتى سنوات قليلة قادمة، وإنما يأخذ نظرة تحليلية كلية لانعكاسات هذا القرار على جميع المتغيرات الإقتصادية الكلية والجزئية؛ مثل ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الفائدة وارتفاع مستوى التضخم وتراجع الدخل المتاح وأثره على الإستهلاك والإستثمار، وأثر ذلك كله على الطلب العام ومستوى النشاط الإقتصادي ومعدلات الفقر والبطالة، وهكذا.

أما إصطلاح "رجل الأعمال" فيطلق على الشخص الذي يقوم بإدارة نشاطات تجارية أو صناعية تحقق تدفقات نقدية بهدف تحقيق الأرباح. وقد يكون ذلك الشخص مبادرا أو مالكا أو شريكا أو موظفا رفيعا في الشركات العاملة في القطاعات المختلفة. وغني عن القول أن التخصص والمؤهل العلمي ليس شرطا رئيسيا حت يصبح الشخص رجل أعمال؛ فقد يكون الشخص طبيبا أو مهندسا أو مزارعا أو محاميا ويدير نشاطا إقتصاديا لا يمت إلى تخصصه بصلة بكل نجاح. كما قد يحمل رجل الأعمال مؤهلا علميا عاليا وقد يكون أميا أو تلقى تعليما متواضعا، ومع ذلك يبدع في إدارة النشاط الذي يديره. وفي النشاطات أو الشركات الكبيرة غالبا ما يقوم رجال الأعمال عادة بالإستعانة بالإقتصاديين لتزويدهم بالتحليل والتقييم والتوصيات التي تسهم باستدامة أعمالهم.

وفي الوقت الذي يكون فيه الحافز الرئيسي لرجل الأعمال هو تحقيق الربح، فإن هدف الإقتصادي يعتمد على المكان الذي يعمل فيه؛ فإذا كان يعمل في القطاع العام، فمن المتوقع أن يكون هدفه تحسين مستويات الرفاه والمعيشة من خلال السعي إلى تحقيق التنمية المستدامة. وإذا كان يعمل لدى القطاع الخاص يكون هدفه مساعدة المؤسسة التي يعمل فيها على تعظيم عائداتها واستدامتها، وإذا كان مدرسا فإنه يعمل على نقل المعرفة إلى جيل قادم من الإقتصاديين، وإذا كان يعمل محللا صحفيا فإنه يقوم بمتابعة التطورات المحلية والإقليمية والدولية وتحليلها ونشرها لتوسيع الوعي ومساعدة صانعي القرار، وهكذا. ومن الجدير ذكره أن هذا المصطلح قد ظهر في الأدبيات الإنجليزية (Businessman)  في مطلع القرن التاسع عشر. ومن هنا يتضح البون الشاسع بين الشخص "الإقتصادي" و"رجل الأعمال" من خلال الشروط اللازمة والمؤهلات المطلوبة والأدوار التي يقوم بها كل منهما.

وعليه لو افترضنا أن رجل أعمال، أو شخص غير متخصص، كان في موقع صنع القرار ورأى أن العجز المالي  يتوسع ولا بد من ضبطه من خلال تنمية الإيرادات المحلية، فإن أول شيء قد يلجأ إليه هو رفع الرسوم والضرائب! وعليه فإنه يكون قد اتخذ قراره من وجهة نظر محاسبية صرفة بعيدة كل البعد عن الأطر الإقتصادية التي يفتقر إليها، وبالتالي فإن إدارته للإقتصاد أصبحت أقرب ما تكون إلى إدارة شركة مساهمة عامة تواجه مشاكل في السيولة!

وفي المقابل، لو افترضنا أن صانع القرار هذا كان اقتصاديا متمرسا، فإن قراره يفترض أن يبنى على وعي كامل بالعلاقة العكسية والطردية لرفع الرسوم والضرائب مع مختلف العوامل الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، كما ذكرنا سابقا، إلى جانب معرفته بالقوانين والنماذج الإقتصادية ذات العلاقة، ومنها مثلا منحنى لافر(Laffer Curve)، الذي يقول بأنه بعد مستوى معين من العبء الضريبي فإن مرونة الوعاء الضريبي تتراجع، وبالتالي فإن كل ضغط ضريبي إضافي بعد هذا المستوى سيؤدي إلى انكماش مستوى النشاط الإقتصادي، وبالتالي تراجع الإيرادات الضريبية. وعليه فليس من المستبعد أو الغريب أن يرى صانع القرار بأن تنمية إيرادات الحكومية قد يكون من خلال خفض معدلات زيادة القدرة التنافسية للإقتصاد الضريبة وحفز الطلب الكلي، وهو ما تنادي به المدرسة الكينزية، وهو ما سيؤدي إلى تحسين معدلات النمو الإقتصادي وزيادة حجم الناتج المحلي الذي يمثل الوعاء الرئيسي الذي تحصّل منه الإيرادات الحكومية!

 

 

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner