الناظر وبغير تفحص إلى واقع الأمور سيكتشف بسهولة أننا نعيش منذ فترة في حالة أزمة مستمرة، وهي ليست مجرد أزمة اجتماعية كما يقول البعض وليست أزمة اجتماعية اقتصادية أيضاً، لأنها ببساطة وبوضوح طالت حتى هيبة الدولة ومؤسساتها ومكانتها إلى الحد الذي أصبحت معه شتيمة الحكومة والتندر بها كلمة اعتيادية على كل لسان؛ بل وحلت محل ألفاظ شتم وتندر كانت سائدة سابقاً، ورغم كل الكتابات والتحليلات فقد تجنب الجميع الحديث والاعتراف بمسألتين؛ الأولى: أننا نعيش في حالة أزمة تعصف بكل مكونات الأردن، والثانية: وهي الأهم أن الدولة تعاني من أزمة في إدارة الأزمات!!.
فإذا تحدثنا عن مجمل مسببات هذه الأزمات الدائرة على الساحة حالياً؛ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، سنجد أنها ليست أموراً جديدة، فالعنف الاجتماعي ليس أمراً وليد اللحظة في الأردن، والتقلب السياسي وتغير الحكومات ورجال الحكم والدولة وحتى تضارب القرارات أمر معهود مألوف عندنا، ولنكن واقعيين، فنحن يوماً لم نكن دولة غنية وحتى فترات البحبوحة المالية التي مرت بنا كانت بحبوحة كاذبة أسأنا استغلالها ... إذن أين المشكلة؟.
في ظني المتواضع أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب العقل الجمعي للدولة، وقيام من تبقى من رجال الدولة (وليس كبار الموظفين)، بالتخلي عن دورهم التقليدي تجاهها طوعاً أو كرهاً أو يأساً، إلى الحد الذي اقتصر فيه دور الكثير من رؤساء الوزراء الكبار على ترؤس الجاهات وتزيين بيوت العزاء، فيما مُسخ دور ومنصب الوزير ومن يتقلده حتى بالكاد أصبح يوصف بالموظف الكبير، وأصبح لدى الجميع -مواطنين ومسؤولين- اعتقاد حقيقي بأن من يدير الدولة والحكومة هم أشخاص خارج الصورة المعلنة.
أزمة الأزمات هذه لم تقتصر على النواحي الكبرى بل طالت كل شيء بدءًا من دور شرطي السير في الشارع وصولاً إلى قضايا كبرى ومصيرية، فعلى سبيل المثال فيما يخص مسائل صغيرة تحولت الى كوارث، في صباح الأربعاء الماضي كانت المنطقة من بدايات صويلح وحتى البقعة مغلقة تماماً أمام حركة السير لمدة قاربت الساعة فيما تراكم الآلاف في الشارع بسبب حادث سير عادي، لكن عجز شرطة السير عن التفكير المنطقي وإدارة الأزمة بتحويل السير عبر عين الباشا والبقعة سبب مشكلة لو طالت أكثر لتحولت إلى كارثة، والنكتة انه في مساء ذات اليوم وعلى الطرف الآخر للطريق أي عند مخرج مدينة إربد وأيضاً بسبب حادث سير عادي، تراكمت أعداد أكبر من السيارات ولمدة أطول>
وعندما حاولت الشرطة حل الإشكال زادت الطين بلة حيث قامت بتحويل السير من أتوستراد دولي كبير مزدحم إلى ممر زراعي ضيق وترابي داخل أرض زراعية خاصة ومنخفضة عن الشارع، ما سبب تدمير جزء كبير من المحصول المزروع في هذه الأرض وإضرار السيارات أثناء دخولها وخروجها من هذا الممر، وفي ذات الوقت لم يخفف من الازدحام شيئاً، فيما كان بإمكان الشرطة وبعد دقيقة واحدة فقط من التفكير العقلاني والاتصال بالمرجعيات المختصة تحويل السير عبر شوارع منطقة البارحة الواسعة والمعبدة والالتفاف حول الحادث أو حتى استمرار التحويل حتى ما بعد بلدة الحصن، لكن غياب مهارة إدارة الأزمة خلق بحق كارثة من لا شيء، هذا مثال على ما يحدث في الشؤون البسيطة.
أما في القضايا والأزمات الكبرى بدءًا بمسألة التوجيهي مروراً بأزمة المعلمين وأحداث السلط المؤسفة وبالتأكيد ليس انتهاءً بأحداث الكرك والشونة، فحتى المواطن العادي استطاع التفكير بعشرات الحلول التقليدية والمنطقية، والتي كان بإمكانها السيطرة على الأزمة والخروج منها بأقل الخسائر أو على الأقل بخسائر أقل جداً مما حدث، لكن غياب العقل الجمعي للدولة وبالأخص رفض رجال الحكم والمسؤولين الجدد الاستعانة بخبرات من سبقهم - ممن صنفوا كـ«حرس قديم» أو «حتى قوى معارضة وشد عكسي» دون مبررات لهذه التصرفات والتصنيفات-، والذي رافقه قلة أو انعدام في الخبرة عند كثير من كبار الموظفين والمسؤولين الجدد، جعل مسائل ليست جديدة علينا في الأردن تتحول إلى كوارث ذات أبعاد وانعكاسات نراها ونسمع بها في بلدنا لأول مرة.
فمنذ متى كان الأردني يسعى فعلياً أول ما يسعى إلى أخذ حقه بيده قبل التفكير في الأطر العشائرية والمجتمعية أولاً وحتى قبل القانونية؟ ليس لأنه فقد إيمانه بالعشيرة بل لأنه فقد إيمانه بالإطار القانوني الداعم لها، ومنذ متى كان إحراق مراكز الشرطة واطلاق النار على رجال الشرطة والعسكريين وحتى قتلهم أمراً مقبولاً لا بل وكثير التكرار؟، ومنذ متى كان الأردني يفكر أول ما يفكر في فضح الحكومة عبر شاشات فضائيات ومحطات نعرف كلنا حجم عدائها للدولة والنظام في بلدنا؟ كل هذه المسائل تؤكد مرة بعد مرة ان الخلل أكبر من مجرد (هوجات) وردود أفعال بل لقد بدأ بالتجذر وأخذ صورة حقيقية من تلاشي الانتماء عند الأردني لأنه ببساطة يرى أن انتماءات الحكومة لم تعد له بقدر ما أصبحت لصورتها وبرستيجها، وحفظ ماء الوجه وإن عنى هدر دماء الأردنيين وكرامتهم. ما نحتاج إليه بحق هو دولة تفكر بعقل الدولة وليس عقلية الشركات التي يظن كل من فيها ان الجميع ينافسه ليصل إلى كرسيه فيما الأصل أن يفكر أن الجميع يساعده من أجل أن نصل كلنا إلى بر الأمان.



