الرئيسية/نبض الشارع
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

المجالي يكتب: وأنتِ عمري !

المجالي يكتب: وأنتِ عمري !
تعبيرية

خاص بـ"خبرني" كتب عبدالمجيد المجالي: إلى أُمي (لطيفة) وإلى كل (لطيفة) تُشبه أمي : واحدة من أهم الانجازات التي أحرص على ذكرها في سيرتي الذاتية أنني أول من حطم اسطورة "مطرق الرمان الذي لا يقهر" وصار دوره بعد ولادتي مثل دور جامعة الدول العربية "منظر فقط" ، فكوني آخر العنقود لا أذكر أن أمي استخدمته لضربي كما كانت تفعل مع أشقائي، صحيح أنها ظلت تحتفظ به تحت فرشتها لسنوات طويلة وتتوعدني فيه لكن وعيدها اقتصر على التهديدات فقط وظلت حتى اليوم محتفظة بحق الرد ! كلما كنت أرتكب ذنباً كان عذرها بعدم ضربي جاهزاً ،فمثلاً إذا أذنبت يوم الجمعة كانت تقول " والله لولا الجمعة الجمّاعة والملائكة السمّاعة غير أخلي المطرق يوكل من جنابك" ..أُذنب يوم الاثنين فتقول " والله لولا ما الدنيا اثنين وحياة الحسن والحسين لأخلي المطرق يعلم على جسمك" .. أُذنب يوم الخميس فتقول "المشكلة اليوم مبارك ونبوي ولا كان خليت جلدك مثل كحل الليل " وهكذا كانت تختلق عذراً لكل يوم ،وأحيانا كانت تتعذر بالتوقيت ، ففي الصباح تتعذر قائلة " الصبح مو زين الضرب ولا كان أدبتك من أول وجديد" وفي الليل تقول " هسع لو أضربك الشياطين بتتجمع، لما يطلع علي الصبح بورجيك "، فيتأجل العقاب من المساء إلى الصباح ومن الصباح حتى المساء .. وثمة طريقة أخرى كانت تمنحني بها الأمان على نفسي بعد كل ذنب ،فكلما كانت تضبطني متلبساً بما يستوجب العقوبة كانت تنتفض قائلة " ودي أقوم عن الفرشة وأمسكك يا سايب الأهل،إصحى تتحرك من مكانك لما آجيك، استنى علي "، وكان الوقت الذي تستغرقه _متعمدة_ في وقوفها ووصولها إلي يتجاوز الساعة فأكون وقتها قد هربت ووصلت الحدود الأردنية السعودية ! ورغم أنها لم تضربني يوماً لكنني أزعُم أن هذه السيدة أدبتني بطرق متطورة لم تصل إليها كليات التربية،أدبتني بإيثارها ،بوقارها،بخوفها الذي يكبر كلما كبرت هي وكبرت أنا ،أدبتني حين كنتُ شاهد عيان على عمرها الذي صرفته على عمرنا ، حتى أنها لم تجد متسعاً لحب الذات فشاخت قبل الأوان بكثير ، أدبتني حين حفظت عنها الصلاة وفاتحة الكتاب ،وحين لم تمنعها (أُميتها) أن تكافئني كلما نسختُ دروس (باسم ورباب) ، حين كان حلها الدائم والوحيد لكل مشاكلي أن أقرأ " آيتين رحمانيات"، وحين كان دعاؤها _وما زال_ يقيني شر اللائذات،حين كانت الأبرة تخترق أصابعها فتتحامل على الوجع كي تصلح ثيابي ،وحين يرتفع ضغطها كلما خرجتُ من البيت وطال غيابي،حين ترملت مبكراً فظلت تمارس أمومتها بجد واقتدار، وحين امتهنت دور الأب أيضاً لتعوض غياب (عمود الدار) ! أدرك جيداً أنكِ ما عدتِ تتعمدين التأخر في الوقوف كما في أيام قوتك،صار ذلك لزاماً يا أمي ،وأدرك أن الرُكب "خانتك" وأن عضلة القلب "قصرت فيك" وأن للضغط والسكري أحكام،لكنني ما زلت أراكِ المدير التنفيذي لعمري،ما زلت أراكِ الجبل الذي آوي إليه فيعصمني من كيد الكائدين ،والمرأة التي لها من البأس والإرادة مثل حظ العالمين ،ومن المهابة والسمو مثل حظ الأولين والآخرين .. كم أشتاق لرؤية مطرق الرمان بيدك كجنرال عتيد، كم أشتاق لأن تعيدي على مسامعي تهديدات زمان ،وأنا أتعهد بالهروب مثل زمان ،فمهابتك لم تتغير ، وخوفي منك صار أكبر ، أنا الضعيف أبداً يا أمي ، فلا حول ولا قوة..إنما أقف نداً في وجه الحياة ببركة دعوتك الدائمة " روح يمة يا عبد ،إلهي تمسك العود اليابس يصير أخضر" .. كم أشتاق لأن تنادي علي من جديد كي ألضم لك الخيط والأبرة لتصلحين ثيابي فتعود جديدة تسر الناظرين ،أعرف أن التمزق العضلي نال من يدك اليمنى فصار رفعها _مجرد رفعها_ يؤلمك يا أنا ،لكن يدك الضعيفة قادرة على أن تصلح ثيابي وروحي المتعبة أكثر من قوة العالم بأسره ! كل عام وأنتِ عمري يا سيدة من حبق ونور ،ويا غيمة أمطرت أيامي بالرضا والحُبُور !
Khaberni Banner Khaberni Banner