الرئيسية/رسالة إلى ...
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

وطن بمساحة قلوب امهاتنا

وطن بمساحة قلوب امهاتنا

وطن بمساحة قلوب امهاتنا في يوم الكرامة والأم يزهر الربيع في قلوبنا حباً لأمهاتنا وللوطن، فهن الوطن وهو بمساحة قلوبهن. لا وصف لعيد الأم في وطني فهو يوم الاحتفال بهن، وذكرى معركة الكرامة التي لو لم تكن تحمل مسمى منطقة الكرامة التي وقعت فيها عام 1968 لكانت بالتأكيد حملته كرامة لشهدائها، وما حققوه كرامةً للوطن وحباً له. عيد الأم وعيد النصر، يحمل في ثناياه ذكريات إشراقة شمس على جباه أمهاتنا وجنود الوطن البواسل، الذين سطروا النصر على أرضه، والتاريخ، إشراقة الشمس على جباه الشهداء الذين روت دماؤهم ذرات التراب، ليزهر الربيع مجدداً. لطالما كان والدي في مثل هذا اليوم يحدثني عن تفاصيل المعركة، وتجلس أمي بجانبه بعد مرور عشرات السنين تصف خوفها وترقبها لعودته سالماً من الميدان، نعم ميدان المعركة فوالدي كان أحد جنودها.  هو يروي بأحداث وتفاصيل سمعت من خلالها أصوات إطلاق النار و أشعرتني بغصة تشبه تماماً ما أشعر به عندما أستذكر العمليات الإرهابية التي وقعت مؤخراً على ذات التراب، وفي هذه الأثناء كنت أقاطعه بسؤال إجابته نهاية الرواية، وهو يستكمل دون انقطاع، يشعرني بأن سؤالي لا محل له الآن فالتفاصيل الصغيرة عناوين المجد. هي مرة أذكر فيها توقفه عن الحديث للحظة ووصفه لسيل لا لربما لنهر من الدماء أمام "مغفر الكرامة"، هذا السيل الأحمر هو دم الشهداء الذي روى الأرض وفاءً وإخلاصاً وكرامة، لم أخف حينها علامات الذهول وسألت بسذاجة "بابا انت شفت الدم عادي كيف كان شعورك؟"، بابتسامة خفية مخلوطة بالجدية أجاب "كان ممكن يكون دمي معهم" هؤلاء زملائي ومنهم الأصدقاء يا "بنتي"، ويستذكر أسماءهم ليوثقحضور الموقف، بينما تسارع أمي وتستشهد بالذكريات التي جمعتهم بصورة واحدة  أو جلسة جمعتهم برائحة الميرمية مع الشاي على الحطب.  من جهة أخرى تنظر أمي بعينيها المليئة بالحب والحنين للماضي وأيام الشباب لوالدي، وتصفو كأنها في أول لقاء حب جمعهما سوية، تروي تفاصيل ساعات انتظارها على حواف تلك النافذة الصغيرة في بيت الحب الأول بين جبال السلط العتيقة، عودة رفيق الدرب وأول حب والجندي الشجاع الذي لطالما وصفت شعورها بالسعادة عند رؤيته بالزي العسكري حاملاً البندقية، كانت صغيرة آنذاك ولا تزال كذلك عندما تروي قصة عشقها له، وأنا صغيرة وسأظل كذلك عندما أتذكر ضمه لي في ذات المكان الذي كان يحمل به البندقية.كم كان وفياً عندما كان يخفض صوته وهو يسترسل بتفاصيل غامضة عن المعركة ثم يقف فجأة ويقول هذه المعلومة خاصة ويعود إلى جانب آخر من الحكاية.وبعد وفاته يأخذني الفضول إلى أمي، وأطلب منها إعادة التفاصيل "الغامضة" وتقول لي هذه المعلومات "غير مصرح الحديث بها"، وأنا لا أزال حتى الآن أقف حائرة في المعنى الحقيقي للوفاء، الذي لم يلوثه غبار السنين ولا الفراق.وها هي الآن الأم والجدة والأخت والصديقة والمعلمة والطبيبة التي أبدأ يومي بسماع دعواتها بنفس النغمة الموقنة بالإجابة، و أستشعر عظمتها بدعواتها لتحقيق أمنياتي التي لا أذكر أنها سمعتها مني مسبقاً إلا أنها وفي كل مرة تثبت لي أنني جزء منها، فهي تعرفني أكثر من نفسي. ولا شك أنني أتساءل دوماً كيف لهذه السيدة أن تحب جميع أولادها وأحفادها بهذا القدر، ليس غريباً هذا التساؤل علي حيث كنت وأخوتي نختلف لساعات طويلة و لربما ما زلنا حتى الآن حول أنها تحب من أكثر، النتيجة كانت ولا تزال واحدة هي تحبني أكثر وتحب أخي أكثر وتحب أختي الصغرى أكثر. نعم أنا مقتنعة حتى اللحظة أنها تحبني أكثر من أي شخص على هذا الكوكب لأن مشاعري هي الأصدق بالنسبة لي على الأقل، كما هي لدى أخوتي.  ورغم كبر سنها إلا أنها تقف في المطبخ بشكل شبه يومي كعادتها لتحضير طعام الغداء، دونما إضافات ليرضي أذواق الجميع على اختلافها، وما زالت تضع للغائب طبقاً بنفس رونقه على المائدة. أمي كما الأمهات لا تقف فقط على المائدة، ولا تقوم فقط بـ"الواجبات المنزلية"، فهي تقوم بأدوار كثيرة في حياتنا،فهي الطبيبة التي تسارع لتحضير الدواء في موعده، بالرغم من أنها تنسى مواعيد أدويتها الضرورية، هي التي تخفي خلف ملامح وجهها المنهكة، تعبها أو مرضها وتصر على أنها بخير، حتى لا "أتأخر عن عملي" على سبيل المثال. تضحية أمي بعد خمس سنوات من رحيل والدي تضاهي تضحيتها في سنين عمرها السابقة، فهي تقف الآن بمكانه لتكمل مسيرته وتحافظ على خطوطه التي رسمها يوماً ما لينظم حياتنا دون معاناة. أخجل من نفسي بالحديث عن أمي فقط فهي ربما تحتل جزءا صغيراً في التضحية إلى جانب الأمهات، أذكر منهن أمهات الشهداء اللاتي سطرن معنى الحب والوفاء والصلابة وتعلمنا منهن الصبر والقوة، وفي ذات الوقت أفخر بنفسي بوصف جزء صغير من تضحياتها، نعم أنا كغيري أعتبر أمي أعظم سيدة على وجه الكرة الأرضية وأعلم أنه شعور مشترك مع الملايين من الأبناء.  
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner