الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

جسر عبدون للحياة

جسر عبدون للحياة

عادة ما تشيّد الجسور لتخطي حوض مائي أو نهر أو أودية وعرة أو تقاطع مروري بما يؤمّن ربط بين نقطتين أو أكثر مختصراً المسافات الأفقية والعامودية. وتكثر الجسور في المدن ذات الطبيعة الجبلية كعمّان وقد كان أولها جسر الأقواس بالقناطر العشرة (الجسور العشرة) الذي يعود تاريخه الى الحقبة العثمانية في الأردن ويقع في منطقة القويسمة جنوب شرق مدينة عمّان حيث تم تشييده في العام 1908 ليمر عبره الخط الحديدي الحجازي الذي ربط دمشق بالمدينة المنورة مروراً بالعديد من المدن الأردنية. وتبنى الجسور بشكل متعامد على الوادى أو النهر لاختصار المسافة أو ما نسميها نحن المهندسين (البحر Span) الحر وللتقليل أو الاستغناء عن الدعائم التي تعيق الحركة، إلا أن الأردنيين خالفوا هذه القاعدة وبنوا الجسر بشكل مواز لمجرى النهر، حيث تم سقف سيل عمّان الذي يجري باتجاه الشرق مرورا بوسط البلد لاستغلال المساحة فوقه. واستدل المخططون الحضريون وخبراء النقل في الأردن على الجسور وأصبحوا يكثرون منها للتقليل من الاختناقات المرورية حيث تجرأوا على الربط بين منطقة الدوار الرابع بجبل عماّن مع عبدون من خلال جسر كمال الشاعر أو ما يعرف في الذاكرة الشعبية بجسر عبدون الذي تم تصميمه من قبل دار الهندسة (شاعر ومشاركوه) وانتهت أمانة عمان الكبرى من تنفيذه من خلال مقاول أجنبي في العام 2006. وإذا ما حللنا الجسر حسب الثالوث المعتمد بمدرسة الباو هاوس الألمانية (الوظيفة والشكل والإنشاء) فإن الجسر من الناحية الوظيفية Function ركز على الربط المروري للمركبات بين طرفيه ولم يعير أي اهتمام للمشاة، وبهذا فإن الوظيفة ناقصة من وجه نظري وكان من الأجدر أن يعمل الجسر مثل الكورنيش للعشاق ومحبي الحياة لو كان المصمم قد أخذ بهذه الفلسفة التصميمية. أما بالنسبة للشكل Form فإن صاحب العمل (الأمانة) قد رغبت بإضافة معلم معماري للمدينة بطابع حداثي عكسه المُصمّم من خلال طريق متعرج محمول بواسطة هيكل مختلف الشكل عن طابع الكتل العمرانية المكعّبة التي تنتشر على سفوح الجبال العمانية. إن الشكل اللافت للانتباه وضع نقطة علامة Focal Point ورفع من القيمة البصرية للموقع، وما يؤكد على ذلك هو اعتماد الأمانة لشارع الأميرة بسمة أو ما يعرف بوادي عبدون ليضم أربعة تجمعات بارتفاعات متوسطة وعالية على امتداد الوادي أسفل الجسر، وهذه المنطقة تشهد حاليا اتمام المرحلة الثانية لتهيئة المنطقة كأحد ممرات الباص السريع الموعود الذي يمتد من شارع الملكة رانيا العبد الله (الجامعة) مروراً بميدان الأمير فيصل بن الحسين (الدوار الخامس) باتجاه وادي عبدون وانتهاء بمجمع المهاجرين بوسط البلد. لقد تم تحميل الجسر (الطريق) على ثلاثة ركائز شوكية من الاسمنت يشد عليها خمسة كوابل معدنية من كل جهة، وبهذا يكون الشكل فريدا ولافتا للانتباه ويحقق الغرض المطلوب منه وقد يروق هذا الشكل للبعض وقد يمقته البعض الاخر، إلا أن الرأي السائد هو القبول والإطراء. بالنسبة للإنشاء Construction فإن المهندسين الإنشائيين قد أنجزوا المهمة بنجاح حيث تم تحميل الطريق بطول 417 متر بعدد قليل من الركائز تؤمن مسافة خالية قدرها 45 متر، تنتصب اثنتان منها على سفح كل جبل وترتكز الوسطى في الجزيرة الوسطية بمنتصف الطريق بالوادي. نحن المخططون والمهندسون نلبي طلبات أصحاب العمل على اختلاف أنواعهم، ونضع منتوجنا المادي في حضرتهم لإدارته وديمومته، ولعمري بأن هذا الأمر أصعب من الحسابات الهندسية حيث يتعامل البشر بمختلف طبائعهم ونفسيتاتهم مع المباني والمنشآت كوسيلة للإستمتاع بالدنيا أو للتخلص منها. لقد كثرت في الاونة الأخيرة محاولات الإنتحار من على المباني العالية على دوار جمال عبد الناصر (الداخلية) وجسر كمال الشاعر (عبدون) لأنها أماكن تجلب الانتباه وتقرع الجرس، والانتحار ليست حالة ينفرد فيها الأردن لوحده، فهناك دول متقدمة يحظى فيها المواطن بمستوى دخل عال جداً تحتل المراتب الأولى على سلم معدلات الانتحاربسبب اليأس او الاضطراب النفسي أو الاكتئاب او الإدمان أو الفقر، فكيف للعمارة ان تحد من عدد محاولات الانتحار من على النقاط الساخنة Hot Spots والتي تعطي انطباعاً سيئاً عن الدولة والمدينة حتى لو كانت غير مسؤولة عن أسباب الانتحار وليست طرفاً فيه. في عمّان وبالذات على جسر عبدون، فإنه من الممكن إعادة النظر بجوانب الجسر وتركيب درابزين زجاجي يعلوه سلك مكهرب بفولتية منخفضة تحد من محاولات الإنتحار من خلال هذا الجسر الذي أنشئ للتنقل وليس للانتقال الى رحمته تعالى.  
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner