الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

جسر خليج العقبة

جسر خليج العقبة

ليس من عادتي أن اتأخر في الكتابة في مستجدات القضايا التخطيطية في الأردن ومحيطها، إلا أني آثرت التريث في الكتابة بموضوع جسر الملك سلمان الذي سيربط بين الشقيقتين الكبريين، المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، فما أثر ذلك علينا نحن في الأردن. للإجابة على هذا السؤال سأتوقف عند 3 محطات، الأولى تخص الإستراتيجية العمرانية للسعودية والثانية حاجة مصر الماسة لرافعة تنموية تنشلها من مستنقع الفقر والعوز والبطالة، والمحطة الثالثة ستكون على مستوى الأثر التنموي المحلي الأردني. تستحوذ المملكة العربية السعودية على قرابة 80% من أراضي شبه الجزيرة العربية وتحظى بإطلالة على كل من الخليج العربي من الشرق وعلى البحر الأحمر من الغرب، وهما ممران بحريان يُمكّنا المملكة من الولوج الى أعالي البحار بسهولة. وتقسم أراضي المملكة العربية السعودية الى (13) منطقة وكل منها مقسم الى إمارة/ ومحافظات ومراكز إدارية وأمانات وبلديات. وتطل 5 مناطق منها على البحر الأحمر، هي مناطق جازان وعسير ومكة المكرمة والمدينة المنورة وتبوك بطول شاطئي يقارب على (1700) كلم. وتبعد قارة إفريقيا عن هذه الشواطئ في البحر الأحمر ما بين (175-350) كلم، إلا أن هذه المسافة تنخفض بوجود شبه جزيرة سيناء الى (10-25) كلم مما يشكل فارقاً كبيراً فيما لو تم التفكير بالربط بين قارتي آسيا وإفريقيا من خلال جسر معلق أو نفق. لقد تمت دراسة عدة بدائل للإستراتيجية العمرانية والتي من المفترض أن تعالج الأسباب الموجبة لوجودها، حيث طرح البديل الأول تحسين الطاقة الإستيعابية للمدن القائمة، وركز البديل الثاني على الإنتشار العمراني على مستوى المناطق من خلال إنشاء مدن جديدة، واستندت فلسفة البديل الثالث إلى الإنتشار الإقليمي عن طريق تدعيم مراكز النمو ومراكز جذب مضاده. البديل الرابع ركز على فكرة تدعيم المدن الثانوية الواقعة على امتداد محاور التنمية. وقد تم التوصل الى خطة تمثل خليطاً من البدائل المطروحة بحيث تم التركيز على اختيار محاور للتنمية كوسيلة لتحقيق التكامل بين أجزاء الحيز الوطني السعودي. لقد خلصت الإستراتيجية العمرانية على المستوى الوطني الى اعتماد 3 محاور تنمية رئيسية هي (الخرج- الرياض- بريدة/ القصيم) في الوسط، ومحور (الهفوف حتى مدينة الجبيل الصناعية) في المنطقة الشرقية، ومحور التنمية بغرب المملكة الممتد من الطائف جنوباً الى مدن جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وينبع شمالاً. إن الدارس للإستراتيجية العمرانية في المملكة العربية السعودية (وانا أحدهم) حيث تسنى لي العمل كخبير دولي عَمِل لصالح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP لتحديث هذه الإستراتيجية في العام 2014، يلاحظ بأن التواصل البري الى الشمال والغرب لم يكن ذو أولوية بالنسبة للمُخطِط السعودي، فما الذي إستجد ودفع بالمملكة للتفكير في اعتماد (محور تنمية) جديد يجتاز البحر الأحمر للوصول الى قارة إفريقيا وأوروبا. لقد أدرك المخطط السعودي، ولو متاخراً، بأن زمن الطاقة الأحفورية (النفط) الى زوال، وأنه لا بد من تهيئة البنية التحتية التي تسهل تصدير المواد الخام والمصنعة من خلال ممرات برية وبحرية تختصر المسافات وبالتالي تقلل كلف النقل، وعليه تصبح صادرات المملكة أكثر تنافسية بما ينعكس على المواطن والمقيم بالخير والبركة. إن وجود شبه جزيرة سيناء في هذه المنطقة من العالم يشكل حلقة وصل بين طرفي المعمورة، فهذه الأراضي الصحراوية شبه الخالية من السكان تؤمن لمصر مساحات شاسعة بمساحة حوالي (60) ألف كيلومتر مربع وشواطئ ممتدة لأكثر من (670) كلم مطلة على خليج العقبة والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، وسيكون لشبه الجزيرة شأن كبير في الإقتصاد العالمي من خلال المشاريع القائمة والمشاريع قيد التنفيذ والمستقبلية، ومن خلال تأمين الأرض الصلبة الصالحة لمشاريع النقل البري والسككي والحاضنة لأنابيب النفط والغاز دون الحاجة للمرور ببلاد الشام وقناة السويس للوصول الى شمال المعمورة وأمريكا. وقد تنبه الأشقاء في السعودية ومصر إلى إمكانية استغلال جزر تيران وصنافير للتقليل من المسافة الأفقية الواجب تجاوزها للربط بين ضفتي خليج العقبة، ولخفض تكلفة الإنشاء من خلال الابتعاد عن الأعماق الكبيرة بمتوسط حوالي (500) متر، وكون المنطقة هي امتداد للفالق الإزاحي القاري الذي شكل البحر الميت ويسمى بالوادي المتصدع الكبيرGreat Rift Valley الممتد من تركيا حتى خليج عدن. المحطة الثانية هي جمهورية مصر العربية، الدولة الضاربة بعمق بالتاريخ والتي لم تعرف الإستقرار السياسي إلا لفترات محدودة من عمرها مما أثر على مستوى معيشة المصريين على الرغم من امتلاكهم لموارد هائلة من إرث تاريخي ومواقع سياحية فرعونية ولنهر النيل العظيم والدلتا الخصبة والنفط والغاز الطبيعي والحديد والذهب والفوسفات وعشر بحيرات طبيعية والشواطئ الممتدة على البحرين المتوسط والأحمر، وقناة السويس، إلا انها على حافة الإنهيار الإقتصادي نظراً لاستفحال الفساد وسوء إدارة الموارد في السنوات الأخيرة. وقد جاءت ثورتي 25 يناير 2011 و 30 يونيو 2013 مطالبة بالإصلاح حيث يعول النظام المصري على عدة مشاريع تنموية تنشل البلاد من الأوضاع الإقتصادية المتردية التي تمر بها، ومن هذه المشاريع "محور قناة السويس" الذي يضم وادي التكنولوجيا المخصص للمشاريع الصناعية وضاحية الأمل للسياحة والصناعة والخدمات والإسكان. إن تنمية قناة السويس تشكل نقلة عملاقة في الإقتصاد المصري ويمكنها من تبوء موقع مهم في الإقتصاد العالمي في المجالات اللوجستية والصناعات التحويلية، وخدمات الملاحة الدولية والأهم من هذا كله توفير فرص عمل كثيرة جداً للمصريين وهم محور وهدف التنمية المرتجاة من هذا المشروع. دعونا نتخيل الفوائد المرتجاة من التناغم تتيحه للظروف السياسية المواتية والقائمة بين المحورين الأول والثاني الذين تحدثنا عنهما سابقاً في كل من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، فإنها لفرصة تاريخية لتكامل إقتصاد أكبر دولتين عربيتين ولا ينقصهما سوى الربط البري الذي سيفعل العجائب المحمودة فيما لو تم التخطيط له جيداً. أما بالنسبة للمحور الثالث وهو المستوى المحلي الأردني، فنحن دولة صغيرة نكابد للحفاظ على الأمن في محيط هائج تتلاطمه المصالح، وليس بيدنا أوراق ضغط تبقينا بأمان سوى الرضا الشعبي المتأتي من نظام حكم ملكي مقبول شعبياً ويحاول أن يف بمتطلبات الدولة من خلال المساعدات والإدارة الحصيفة للأموال، ولكن هذا لا يعني بأن الدنيا عندنا قمرة وربيع، لأننا قد أهدرنا فرص ضائعة Opportunity Costبسبب التأخر في تنفيذ مشاريع تزيد من تنافسية الأردن. ويعلم الجميع بأن للأردن منفذ واحد على البحر المفتوح Open Sea من خلال خليج ضيق بنهاية مسدودة Dead Endيقع على البحر الأحمر، وهو ميناء بوجهة محددة Destination وليس ميناء ترانزيت على خط ملاحي عابر، بمعنى أن الوصول اليه مكلف نسبياً. لم يغفل الأردنيون عن استغلال هذا المنفذ البحري منذ عهد الإمارة (1923-1946) فقد شيد أول رصيف صغير في العام 1939 لنقل المواعين. أما الآن، وحسب رؤية سلطة منطقة العقبة الإقتصادية الخاصة وذراعها التنفيذي شركة تطوير العقبة فإن لدينا منظومة لوجستية تشمل (8) موانئ هي ميناء العقبة الجديد وميناء الغاز النفطي المسالLNG وميناء الغاز الطبيعي المسال LPG وميناء النفط وميناء السوائل متعددة الأغراض وميناء الفوسفات الجديد والميناء الصناعي ومحطة الركاب الجديدة المزمع إقامتها في المدة الزمنية (2024-2026) وتقع في منطقة الصناعات الجنوبية. ومن الواضح بأن المُخطِط للعقبة قد حاول استغلال المساحة المحدودة والتي تمتد على شاطئ بطول (27) كلم ووزع استعمالاتها على النشاطات السياحية والصناعية والسكنية والمينائية، وبهذا عززت محدودية المساحة وموقعها من فكرة أن العقبة (وجهة وليست محطة ترانزيت Destination rather than Transit). وحتى نكون واقعيين، فإن النشاط المتأتي من حركة الركاب والشاحنات والبضائع (على قلتها) ستتأثر بشكل كبير، وعليه فإن على المُخطِط الأردني التعامل مع هذه الإنعطافة الكبيرة في الحالة الجيوسياسية المقبلة. لا بد من استغلال المواقف السياسية المتقاربة التي تنتهجها الدولة الأردنية مع كل من السعودية ومصر للتقليل من الآثار السلبية التي قد تلحق بالأردن من جراء تنفيذ هذا المشروع، وقد يسمح قرب مدينة العقبة من مدينة ومحافظة حقل الواقعة غرب منطقة تبوك لدراسة أفكار تخطيطية لإشراك الأردن بهذا المشروع العربي الطموح الذي طال انتظاره. إن الشواطئ المحاذية للضلع الشرقي من سيناء والبالغ طولها (150) كلم تشكل في أي منطقة منها محطة مناسبة للربط بين أشباه الجزر (العربية وسيناء) لا سيما ان التقنيات الإنشائية لم تعد عائقا لتشييد جسور بأطوال كبيرة مثل جسر Akashi-Kaikyo باليابان بطول حوالي الفي كيلومتر، وجسر بحيرة Pontchartrain Causeway في لوزيانا بطول حوالي (38) كلم وجسور كثيرة غيرها، حيث تمكن المهندسون من الوصول الى مسافة حرة بحوالي (2) كلم بين الركيزتين مما يعني اننا بحاجة الى حوالي (7) ركائز لاجتياز خليج العقبة في المنطقة بين (حقل- العقبة-طابا) ولا يعني هذا استبعاد حلول أخرى لن تعجز العقول العربية من الوصول اليها بما يحقق التكامل الإقتصادي العربي.    
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner