الرئيسية/نبض الشارع
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

(أليسا ليست مذنبة!)

(أليسا ليست مذنبة!)
هبة جوهر

كتبت هبة جوهر أعادتني أليسا - دون أن تدري طبعا- إلى الطابور الصباحي في مدرسة عين جالوت الثانوية للبنات، كانت مديرة المدرسة مقبولة الكايد – رحمها الله- اسم مازال يترك وقع الخوف على طالبات المدرسة حتى يومنا. لم تقبل يوما أن نقف مقابل العلم دون أن تكن رؤوسنا مرفوعة، وأكتافنا مشدودة، كنا نسترق الرمشة استراقا ونحن ننشد السلام الملكي، طول "المرويل" لم يكن يتجاوز الركبة، وكنا نقف اندهاشا للطالبة الجريئة التي يرتفع مريولها عن الركبة بـ "شحطة"، هي ذاتها الفتاة التيكانت تخبىء قلم الكحلة في حقيبتها للقاء سري يبعد عن منطقة الشميساني بأميال خوفا من المديرة التي كانت تمسح المنطقة مسحا دقيقا وحثيثا بعد انتهاء الدوام. لم نتأخر يوما عن الطابور الصباحي بل كنا نصطف قبل أن يبدأخوفا لا حرصا، كنا ننشد "موطني"يوميا قبل الذهاب إلى الحصص الدراسية الثقيلة كنا ننشدها بحماس لا يشبه التوزيع الجديد للنشيد، كان يرتفع صوتنا وقد يصل حد الصراخ في بعض المقاطع مثل "الشباب لن يكل همه أن يستقيل أو يبيد". وبعيدا عن المثالية كان النشيدبمثابة تفريغ شحنات في كثير من الأحيانقبل حصة الرياضات مثلا، وفي أحيان أقل كنا نشعر بمعنى الكلمات التي نرددها يوميا، وفي كل الأحوال هي لا تشبه الشكل الجديد للأغنية، والأصوات التي سمعناها يوميا في مدرستنا لا تشبه صوت اليسا، والحماس الذي كنا نطلقه تصنعا أو حقيقة لا يشبه الهدوء في الأغنية الجديدة. لست غاضبة على تحويلالـ "ط" إلى "ت" فالأمر أصبح مستساغا بعد أن ارتبطت الأنوثة بشكل غير مباشر بـ "المياصة" وأصبحت الحروف صعبة على ناطقيها، فمنذ فترة انقرضت حروف الـ "ذ،ث،ظ" حتى أننا من قلة الاستخدام نسأل عن موقعها على لوحة المفاتيح. ليست اليسا المذنبة بتحويل الوطن إلى "وتن" ، وهنالك الكثير من المنتقدات تشعر بفخر في مكان آخر أنها لا "تستطيع" لفظ "القاف" لأنها ثقيلة على رقتها، اليسا تشبه الوقت الذي نعيش أكثر، فلم يعد الوطن أي وطن كما كان، واللغة العربية كما نتداولها هي لغة "الداد". الأغنية بصوت اليسا وطريقتها أعادتني إلى جيلي الذي مازال شابا، وكم الخيبات التي أصابتنا والانتكاسات التي جعلت منا هرمين بهيئة شباب، جعلتني أقف أمام نفسي في المرآة لأعاود استنشاقالصباح بين ألحان الأغنيةالأصل، جعلتني أسترجع حروفا كنا نعيد نسخها عشرات المرات إذا أخطأنا في كتابتها. سألت نفسي عن آخر مرةاستخدمت فيها حرف الـ "ثاء" في حديثي اليومي،ومتى استخدمت كلمة "كذب" بدلا من "كزب"، وكيف كنتأخشى كتابة حرف الـ "ظ" تحت السطر خوفا من إعادته، وضحكت قليلا حينما كنا نتحايل في لعبة "اسم،حيوان،جماد" فنضع"الذبابة" حينما نختار حرف الـ "الدال"، وكان الأرز يناسب حرف "الألف" و "الراء". لا تهمنياليسا إن لفظت الـ"طاء" أو لم تلفظه،كل ما أبحث عنه اليوم هو حماسة الشباب الذي كلّ قبل أن يأتي الصباح ومنه من أبيد حتى في الطابور.  
Khaberni Banner
Khaberni Banner