Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

نظام مناسب

نظام مناسب

تقوم الفلسفة الاقتصادية للرئيس ترامب على العودة للاقتصاد الحقيقي لتوليد الوظائف، أي للصناعة والزراعة والتصنيع التكنولوجي والطاقة والاستثمار في البنية التحتية وإعادة الشركات والاستثمارات المهاجرة، وفرض رسوم ضريبية عالية على المستوردات، وطرد المهاجرين، مما سيؤثر على آليات النشاط الاقتصادي والتجاري وأسس العولمة والانفتاح الاقتصادي والاتفاقيات التجارية الدولية. في العادة تفرض التوجهات الاقتصادية الأمريكية نفسها على العالم، مثال ذلك سياسات جانب العرض «الريجانية» في الثمانينيات التي تجسدت بخصخصة المؤسسات، وتكبير الدور الاقتصادي للقطاع الخاص على حساب الحكومات، وتخفيض الضرائب، ورفع الدعم، وجذب الاستثمار الأجنبي، والعولمة في التسعينيات من أجل تجارة حرة وتدفق بلا حدود للسلع والخدمات، مدعومة بفرض البنك وصندوق النقد الدوليين تلك السياسات كشروط أو وصفات علاج اقتصادية للدول التي تعاني من مشكلات اقتصادية. ما يشي أن فلسفة ترامب الحمائية ستفرض إيقاعها عالميًا - برغم ما فيها من تعارض مع الفكرة العامة للعولمة - وستقتدي دول رئيسة أخرى بها، مما سيعرض الاقتصادات التي تطورت على وقع الانفتاح والعولمة وبنت إستراتيجياتها وفقًا لها كالدول العربية والخليجية لمخاطر فرض ضرائب عالية على صادراتها وبالذات النفطية، فتقل تنافسيتها، وربما يؤدي ذلك لخفض إيراداتها، وتعرض فرص نمو اقتصاداتها لتحديات خطيرة تعرقل إصلاحاتها الاقتصادية. وستواجه الصين أيضا المستهدفة أساسا بتلك الفلسفة تحدي فرض ضرائب تصل إلى 45% على صادراتها للسوق الأمريكية، وإجبارها - بحسب ترامب - على رفع سعر عملتها، وبالتالي ارتفاع كلفة صادراتها، مما سيضر بمعجزتها الاقتصادية القائمة على جذب الاستثمار الأجنبي والتصدير والنمو الاقتصادي، ويلحق الأذى بالشعوب المستهلكة لمنتجاتها الرخيصة وبشركائها التجاريين من الدول النامية والخليجية والعربية، خصوصًا إذا ما تراجع استهلاكها النفطي، وعاد فائض الإنتاج من جديد بما يخفض الأسعار ثانية، بالتزامن مع فتح ترامب كل الأبواب أمام إنتاج الطاقة بأنواعها بما في ذلك استخراج النفط والغاز. عام 2008 دفع الجميع ثمن انفتاح الولايات المتحدة على العالم وهي تعيش على حسابه، ويبدو أن الجميع سيدفع ثمن حمائيتها وإغلاقها الأبواب على نفسها لتعيش لحسابها، مما سيؤثر على الأوضاع الاقتصادية العالمية وبالذات في الدول الربيعية والنامية، التي تحاول إعادة بناء اقتصاداتها، وتنظيم إنفاقها، استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي الداعية لرفع الدعم وفرض الضرائب وزيادة الإيرادات دون وجود خيارات أخرى أمامها، بعكس الولايات المتحدة والدول الاقتصادية الكبرى التي تكيف أوضاعها مع متطلبات الفلسفات الاقتصادية الجديدة، وحتى الصين التي تعمل الآن على رفع دخل مواطنيها لتزيد استهلاكهم لمنتجاتها كبديل عن تصديرها. على المعجبين بالفلسفات الاقتصادية الأمريكية إدراك حقيقة أن أي تغير فيها إنما يتم ضمن مظلة النظام الرأسمالي، فيما يعني استخدام الآخرين لها الانتقال من نظام اقتصادي قائم إلى نظام اقتصادي جديد، أي الانتقال في حالتنا «الترامبية» من الانفتاح إلى الحمائية، مما يؤدي إلى مشكلات إضافية جديدة يفرزها النظام الاقتصادي الوليد تعقد المشهد الاقتصادي أكثر، وتستدعي تدخلًا أوسع نطاقًا لصندوقي النقد والبنك الدوليين، وهو بالضبط ملخص المعاناة الاقتصادية التي نعيش، فالنظام الاقتصادي المناسب هو ما نصممه نحن لأنفسنا كنتاج للتطور والثقافة والبنية المعرفية، لا ما يصممه غيرنا لنفسه ونستورده نحن، إلا إذا كانت حاجتنا إليه ماسة بالفعل.
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner