الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

عامان على رحيلك يا موطني !

عامان على رحيلك يا موطني !

هناك في الكرك رجل الدنيا، هناك مهبط التقى، هناك خير مرحوم ، هناك خير طبيب.. قفوا واقرؤوا أمّ الكتاب وسلموا عليه فذلك قبره: قبر موطني.

كثرت آهاتي بعد رحيلك المباغت يا محمد، لم استشعر طعنة في القلب فقط، ولكن استشعرت غياب القلب وأكثر؛ فبرحيلك رحل كل شيء، وانتحبت الروح بنزيف مميت ولكن ببطء شديد.

قالوا لي كلهم بعد رحيلك أن كل شيء في الدنيا يبدأ صغيراً ويكبر، الا مصيبة الموت تبدأ كبيرة وتصغر مع الأيام، لكنهم اخطأوا جميعاً يا محمد لأنهم لا يعرفون ما كان بيننا، ولا يعرفون أيضاً أن فراقنا الذي أتى (قسراً) من ذلك الزائر المفاجىء قاهر العباد لا يمكن أن يصغر مع الأيام، لم يعلم أحد منهم أن مصيبتي وفجيعتي بخسارتك أكبر بكثير أن تصغُر يوماً ما، فكل يوم وكل عام يمر بدونك تكبر داخلي مشاعر الوحدة والغربة، وازداد عطشاً لرائحتك، واتضور جوعاً لصوتك ودفء كلماتك وعذوبة غزلك وأمان حضنك يا موطني. لا ألومهم فهم لا يعلمون ما نعلم، فحبك وعشرتك عصيّة على النسيان يا محمد ...

كنا إن غبنا عن بعضنا يوماً نشعر وكأنها دهراً رغم أنها مرات قليلة جداً تلك التي اضطرتنا لذلك، ولكن الآن واليوم يصادف ذكرى السنة الثانية على رحيلك، وعلى الرغم ما ذقت فيها من الويلات بدونك والصدمات من بعدك والكدمات والكثير الكثير من الطعنات، فبرغم كل ذلك الا أنني ما زلت أشعر صدمة موتك المباغت وكأنها البارحة، اتذكرها بكل لحظة، واتذكر منظرك وأنت ممدّد في ثلاجة الموتى لا حول لك ولا قوة وأنا أغطيك بجسدي خوفاً عليك من البرودة على أمل عودة الروح اليك، ما زلت اتذكر وأنا بقيت بجانبك في سيارة الموتى وامسك يديك لاخر لحظة على أمل مفاجأة منك وصحوة قبل أن يضعوك في القبر، لكن كانت المسافة من عمان الى الكرك الأقصر على الإطلاق في ذلك اليوم المشؤوم، ووصلنا هناك بسرعة فائقة وأخذوك مني كأخذ عزيزٍ مقتدر، لم أكن في تلك اللحظة على درجة كافية من الوعي لإدراك أنها المرة الأخيرة التي أراك فيها،  وبعد كم ساعة توسلت لأراك مجدّداً لأجدك تحت التراب..

أنتَ ذهبت واستحالة المآل، ومنذ ذلك الوقت وأنت هناك تحت التراب وأنا هنا فوقه بجسدي فقط وروحي ما زالت هناك، معك. لا زلت أذكر تلك الأحداث الأليمة وكأنها حصلت البارحة لا قبل عامين يا موطني، فرغم طول المدة بدونك ولسعة فراقك وحرارة فقدك وزخم الأحداث البشعة بعدك وتلك الجارحة التي لا تُحتمل، إلاّ أنني أشعر اليوم أن مصيبتي بفجيعة فقدك حديثة جداً وجداً..

أمسيت أنا أمام ذلك القهّار الذي خطفك مني مبكراً جداً  دون سابق إنذار  أتأرجح ما بين الإنكار أو الاستمرار ، واخترت أن استمر يا محمد لأكمل أحلامنا ومسيرتنا الى أن نلتقي مرة أخرى، فأنا أعلم تماماً ما تريد وما يهمس به طيفك كلما يرنو مني. تريدني أن ابقى امرأة حرّة قوية كما أحببتني وأنا كذلك، لا تخف علي يا محمد فالله دوماً معي وأنا به غنية جداً عن كل من خذلونا.. فنم قرير العين يا موطني...

قلناها معاً مراراً وقلتها أنا وحدي بعد رحيلك كلما رثيتك أو لاحت ذكراك ؛ أنتٓ وأنا تطابقنا بمسافة مداها التاريخ ووحدة وشائجها كل شيء، فنحن توأمة بجينات متطابقة، وطنان من رحمٍ واحد، أنتَ وأنا نجسّد قصص الحب المتجددة ؛ فنحن قصة حب محمد وعصمت في العصر الحديث كقيس وليلى في العصر القديم، ونحن معاً نجسّد الوحدة الوطنية كما نجسّد الحب الأبدي، فنحن ننتمي للأردن كما ننتمي لفلسطين وكلّنا فخر؛  فأنّى أن ينزعوا منا حبّ أحدهما أو أحدنا ...

اكتفي بهذه الكلمات في ذكرى هذا اليوم المشؤوم؛؛ تعب الكلام من الكلام ففي القلب آهات وحسرات جسام .

الله يرحمك ويغفرلك يا موطني...

 

Khaberni Banner
Khaberni Banner