الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

طاعون المجتمع (النفسي)

طاعون المجتمع (النفسي)
صورة تعبيرية

عن ( اغتيال الشخصية ) وتقزيمها واختزالها وتشويهها في هذا المقال أتحدث،  وأسميته هنا "بالطاعون النفسي أو المجتمعي"، لا فرق...

لن أتطرّق هنا في الحديث عن "اغتيال الشخصية" الممنهج في إطار حرب تصفية الحسابات بين حيتان الفساد الدائرة رحاها حالياً؛ فالتسمية التي تليق بها هنا باعتقادي هو (كبش الفدا) لا اغتيال الشخصية؛ وهؤلاء الأكباش لا خوف عليهم، فقد اعتدنا على إعادة تدويرهم وتلميعهم بعد فضائح الفساد التي شهرتهم بعد أن عرّتهم، ثم تبوّؤوا مناصب لم يحظى بها شرفاء الوطن ..

ما دفعني للحديث عن هذه الظاهرة القبيحة هو تصاعد ظاهرة ( تقزيم ) بعض الشخصيات الناجحة التي خدمت البلد وجلبت الاستثمارات وقدمت الكثير لأبنائه وبناته وتم اغتيالها، أو النجاح في محاولة ذلك في أقل تقدير، وبالعامية يعني تطفيشها، لا لشيء سوى الحقد والحسد والغيرة أو الابتزاز المالي الرخيص، ويا ويل من يرفض الخضوع للأخير، هنا تصبح جريمة اغتياله نفسياً ومجتمعياً قادمة لا محالة..

الكتابات الموتورة للأقلام الصفراء- وما أكثرها حالياً- على وسائط "السوشيال ميديا" جميعها دون استثناء ودون دليل، تلك الأقلام الغارقة حتى أذنيها في "خطة مكتومة" وراءها أسباب كثيرة من ضمنها ما ذُكر سابقاً هنا، تنشر تلك الأخبار الملفقة والمزيفة والمضخمة جداً لتصل الى الرأي العام، الذي بدوره يتداولها دون عناء البحث عن حقائق الأشياء في مكامنها لا في تلك الكتابات الموتورة.

 ولا يلبث أن يستوعب أي نوع من العبث يمارسه أولئك المصابون بالطاعون، لتشويه الآخر بحاضره وماضيه وربما مستقبله كذلك،  من خلال إشاعة الكثير من زَبَدْ الأقاويل عبر ( الجدل الدعائي)، والمتخصصون في آليات اغتيال الشخصية يعرفون تماماً ما أعنيه بالجدل الدعائي المُغرض، وهذا بلا شكّ أسطع فنون "الشرّ الإنساني" وأغباها في ذات الوقت، وهذا هو الإفلاس الأخلاقي بعينه ( لتجّار العملة)؛ عملة اغتيال الشخصيات والناجحة منها على وجه الخصوص.

لا أعتب هنا على القارىء العادي الذي يهتم بالإثارة أكثر من اهتمامه بالحقائق، ذلك الذي لا يقرأ من المنشور سوى العنوان وربما يقرأ بعض التعليقات، وفي أغلب الحالات يعتمد على التناقل ( بقولوا وسمعنا)، وإنما عتبي هنا على المثقفين والمهنيين نظيفي اليد والسريرة - وما أقلّهم- فأولئك من المفروض عليهم تجاوز عنصر الإثارة والتشهير، وتجنّب الوقوع في فخَ زخرفة الإنشاء والصياغات الدرامية، والبُعد عن عَنَتْ القراءة المُعيبة وتناقلها دون تمحيص، ودون تحريف للوقائع وتزوير للأحداث التي سردها بعض "المرتزقة" من المصابين بالطاعون النفسي، لا لشيء سوى للتشويه المتعمّد التافه للشخصيات المستهدفة، وذلك من خلال ممارسة ضرباً مقيتاً من ضروب التقوّل والبهتان والتبلّي وتضخيم الحدث والافتراء على الآخر ..

التهوّر والنَزَقْ الذي يحمل إلحاق الأذى بالآخر، المزاج المتقلب المتباين أو العنيف الانفجاري الذي ينحو منحى غير قابل للتنبؤ، الشعور المستمر بالفراغ والإحساس الطاغي بالملل والضجر، الغضب السريع غير المتناسب مع الحدث وصعوبة لجمه، الكذب المرضي، الخداع والخيانة، النصب والاحتيال، ممارسة لعبة الضحية بشكل مقنع للاسترزاق وجذب التعاطف والقاء المسؤولية والخطايا على الغير، ادّعاء المثالية وإسقاط العيوب على الآخر عند تضارب المصالح، عدم احترام القانون، اغتيال الشخصيات بتلفيق مدبّر وحملة سوداء من الأكاذيب والشائعات، هي أهم أعراض هذا ( الطاعون النفسي) والمجتمعي الحالي والذي يقود الى سلوكات مشينة في أفضل الحالات وإلى اغتيال الشرفاء في أسوَأها.

وما يحدث الآن في مجتمعنا يشي لا بل يفضح العدد الكبير من المصابين بهذا الطاعون المدمّر للأسف الشديد..

راجعوا أنفسكم وانظروا بتمعّن لمن حولكم، ثم شخّصوا مرضى الطاعون النفسي من خلال الأعراض المذكورة أعلاه، ربما ستذهلكم النتائج !!

البيئة النفسية الاجتماعية الراهنة تشكّل بيئة حاضنة لوباء ذلك الطاعون القاتل، وأخشى ما أخشاه أن يتجذّر المرض بالجينات ويتم تناقله للأجيال اللاحقة، ولن يزول عندئذٍ الاّ بالإبادة الجماعية لا سمح الله..

مفتاح الدخول الى الحالة الذهنية والتكوين النفسي  لمجتمعنا  "الهجين" الحالي من منظور سوسيولوجي وسيكولوجي، هو ما تخطّه الأيدي وما تتفوّه  به الألسن بلغة ( الضاد) التي اغتالت الناجحين والشرفاء منا بدلاً من أن تجمعنا للأسف الشديد.

فرص الولوج الى ما استعصى علينا تحليله وتأويله هنا لن يتأتّى سوى بالشفافية والوضوح ونشر الحقيقة على الملأ تماماً كما تُنشر الفضيحة، هنا  وهنا فقط تفوت الفرصة على مصابي الطاعون العفن من النجاح من اغتيال الشخصيات المبدعة وتطفيشهم كما يريد أن يطفش "قتيبة" ويهاجر، وهناك على شاكلته الكثير الكثير ..

التغيير المطلوب لا بدّ أن يصاحب في علاجه لهذا الوباء اللعين المعدي جداً والذي استشرى بفداحة ملفتة للنظر حالياً، هو تنظيف ( القيح النفسي) النتن ذي الرائحة الكريهة، وإزالة ( الدمامل الاجتماعية) التي يطفح بها مجتمعنا الآن، حتى لو أُجبرنا على استخدام العلاج الكيماوي للقضاء على هذا الطاعون المرعب لاقتلاعه من الجذور، أما " بتر " الأعضاء المصابة وحرقها تجنباً للعدوى فهي علاج ناجع بحد ذاته، لأن تلك الأعضاء -بغض النظر عن مواقعها- هي ذاتها التي ساهمت في تخلّفنا وتراجعنا للوراء، وشوّهت البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للوطن تماماً كما شوّهت البنية النفسية للمواطن. فمن أَمِن العقاب قد أساء الأدب..

يا أمّة اقرأ التي لا تقرأ، أرجوكم لا تقرأوا بعين الرضا التي هي عن كلّ عيبٍ كليلة، ولا تكتفوا بقراءة العناوين أو التعليقات وتطلقوا أحكامكم "المسبقة" الظالمة، ولا تتناقلوا الخبر أو المعلومة دون تمحيص أو دليل، فإن مجمل ما يتم تناقله في الكثير من الحالات هي محض انطباعات شخصية ورغبات داخلية وأمزجة مرضية لا أكثر ولا أقل، خلاف ذلك فأنتم حتماً ستصابون بالطاعون النفسي اللعين عن طريق العدوى؛ فالسلوك السلبي "البشع" معدٍ جداً وجداً ..

أختم بكلمات مختارة لمن غار في أعماق النفس البشرية ووصف ذلك الطاعون النفسي-مجازاً- منذ زمنٍ طويل جداً ؛ ( أبو الطيب المتنبي) عندما قال:

" أُعادى على ما يوجِبُ الحبّ للفتى، وأهدأ والأفكارُ فيّ تجولُ، ولا تَطْمَعَنْ من حاسدٍ في مودةٍ وإن كنتَ تُبديها له وتُنيلُ"...

ولتلك القصة تتمة وبقية أخرى ...دمتم...

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner