الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner

ذاكرة العرب (مسمومة)

ذاكرة العرب (مسمومة)

كانت الذاكرة العربية سابقًا "مخزوقة"، أما الآن فقد أضحت مسمومة بامتياز، ويعود الفضل لذلك السمّ المدسوس بالعسل إلى وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة ومراكز صنع القرار التي تحركها كأحجار الشطرنج.

ذاكرة الإنسان بشكل عام تعمل مثل (المصفاية) حيث تفلتر ما تريد بشكل مقصود أحيانًا ودون قصد في أحيان أخرى، وبما أن الشعب العربي عاطفي، فمن السهل استثارته بالذاكرة والتلاعب بمشاعره كذلك من خلال محو أحداث فيها وإعادة تعبئتها حسب المصالح، وهذا ما أعنيه بتسميم الذاكرة، ولم يقتصر التسميم على الذاكرة قصيرة المدى، بل طال التسمّم حتى الذاكرة طويلة المدى أيضًا، ولعلّ إعادة تعريف (العدو) الذي حُفر في ذاكرتنا منذ إنشاء كيانه المزعوم هو أكبر دليل على تسميم الذاكرة الطويلة، فتغير عدونا الأول (الصهيونية) وانحرفت بوصلة الوحدة العربية ضده، وتوجهت نحو الوحدة معه ضد بعضنا البعض على شكل (التطبيع) وغيره من اتفاقيات ومعاهدات. وهذا نتاج تسميم الذاكرة والجهد الكبير المبذول من أعداء الداخل للوطن وخارجه؛ لطمس معالم "التاريخ والجغرافيا" وتزوير الحقائق أو تشويهها وانتقاصها، وهذا التسميم للذاكرة ليس صدفة عابرة بالتأكيد، وإنما نضج وتشكّل لملىء الفراغ الذي خلّفه غياب الرؤية الصحيحة من العرب في صراعهم مع عدوهم الأزلي الماكر الغاصب الحاقد، حيث نجح الأخير في تسميم علاقاتهم فيما بينهم ولم يكتفِ بتسميم ذاكرتهم، ولعل شواهد الوقت الحالي من دعايات مُغرضة لصفقة "القرون" وتداعياتها خير دليل..

كيف ننتظر النصر والصمود من أمّة بعد أن ثُقبت ذاكرتها غدت اليوم مسمومة جدًا وبات التلاعب بها وتزييفها أسهل من السهل ذاته؟! هل من الممكن لهكذا أمّة أن يُحسب لها أدنى حساب؟! كيف ستمنع ذاكرة الأمّة المسمومة هزائمها المتكررة؟! أليست الذاكرة بالنسبة للإنسان هي "التجربة" التي تمنع الهزيمة؟!

سياسة بعثرة الأوراق، والبحث عن توليفات مخادعة لما يحدث في وطن العرب حاليًا، تهدف أولاً قبل أي شيء إلى الإبقاء على تزييف الوعي وتغييبه وتسميم الذاكرة بذات المستوى، صحيح أن (لعبة الأمم) هي لعبة قذرة، ولكنها محبّبة للأسف الشديد، حيث يتداعى لممارستها (لفيف) من أنصاف الكتّاب وأنصاف المثقفين وأشباه الإعلاميين وأدعياء الفهم ومحتكري الحقيقة، لذلك دائمًا ما نعود لأول السطر، بسبب نخرهم في الذاكرة حدّ التسوّس، ونتيجة للنخر لا تقبل ذاكرة العربي التراكم والتجارب بتعاقب بنّاء، ولا تقبل الجمع كذلك، وهل هناك تسميم للذاكرة أكثر من ذلك؟!  فعندما كانت الذاكرة مثقوبة كان بالإمكان الاحتفاظ ببعض التفاصيل في أقلّ تقدير، أما عندما أمست مُتخمة بزفيرٍ مسموم من أعداء العرب حدّ الانتفاخ، نجح رهانهم في قدرتهم على تسميمها، ونجاح ذلك (الرهان) يعني تكرار الاستعمار وسلب الخيرات من كل الجهات وبأشكال مختلفة.

ولو أن تلك الأمة ( أمّة إقرأ) التي لا تقرأ، أجبرت نفسها على قراءة تاريخ العرب المعاصر بمعزل عن التطبيع والتدجين والاختزال والتزوير، لربما حموا أنفسهم وذاكرتهم بلقاحٍ منيع ضد التسميم من لدغ أفاعي "السوشيال ميديا" جميعها، وربما استطاعوا أيضًا تطهيرها من بيوضها المنتشرة قبل تجددها وتلونها بألوان عصر المصالح وتصارع القوى..

هناك فرق كبير جدًا بين التمنّي وبين الواقع الحقيقي، ولا يمكننا في أيّ حال من الأحوال الاعتماد على التمنّي في إنهاء أزماتنا وتحرير أوطاننا، وأول خطوة في العودة للواقع هو تخليص الذاكرة من سمومها نحو الذاكرة السحيقة وفرمتتها وإعادة بنائها بالحقائق الواضحة لا المزيفة، بعيدًا عن المصالح الذاتية الضيقة. لعلنا نتعلم من المكابرة في تحويل الخسائر إلى نجاحات، ولنتعلم من وسائل علم النفس الحديث وأدواته للبحث والتعمّق في أسباب "الإخفاق" في أيّ شأن من شؤون المواطن والوطن، كفانا استخفاف بالعقل العربي وازدرائه، فهذا مشهد مضحك ومبكي في ذات الوقت..

من الأمثلة الصارخة التي تشي بتسميم الذاكرة بجلاء، وتميط اللثام عن حجم السموم الذي يشوّه الحقائق ويهدم القيم السامية التي تؤمن بها الشعوب، والعربية منها على وجه الخصوص نظرًا للمصير المشترك، هو اجتزاء حدث ما من سياقه الطبيعي ومحاولات خبيثة لتقديمه بسياق مختلف، ثم  محاولات عقيمة بعد ذلك لتقديم حلول "ترقيعية" بعيدًا عن المصالح الوطنية، الأمر الذي يعمّق أزمات الوطن المتلاحقة ولا يخرجها من سردابها المظلم..

وأخيرًا وليس آخرًا، أرجوكم، لا تفلتوا العقال للفوضويين الذين عاثوا فسادًا في البلاد والعباد، ولا تكونوا عُراة كالسلحفاة المنزوعة صدفتها لأن قطرة ماء واحدة كافية لاختراقها حتى النخاع، كفانا اختراقًا من أعداء الأمة في الداخل والخارج، وكفانا هرجًا ومرجًا حول كل القضايا الوطنية الجوهرية التي نعايشها حاليًا، لا تجعلوا سموم ذاكرتنا الحالية تجمعنا على قبول الذلّ والعار والخنوع والتملّق، ولا تسمحوا لتسميم الذاكرة إسقاط قيمنا وأخلاقنا وتاريخنا وأوطاننا منها، وتذكروا جيدًا أن المهزوم فكريًا ونفسيًا لا يمكن أن ينتصر ماديًا وواقعيًا على الإطلاق، نظفوا ذاكرتكم من سمومها على جدران الوعي، فذلك فقط ما يُخيف الأعداء والمتربصين، وهو كفيل بإعادة الذاكرة (نظيفة) إلى رؤوس أصحابها، وترميمها وتعقيمها مما أصابها من سموم طال عليها الزمن أو قَصُر..

وعلى رأي محمود درويش، " بدون الذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع المكان".. حتمًا يقصد الذاكرة النقية لا المسمومة..

وأختم هنا في محاولة لإنعاش ذاكرة العرب قبل موتها السريري للأبد، وإن كانت محاولة بائسة، بالتأكيد على أن القدس (عربية) وعاصمة فلسطين الأبدية، وأن الجولان (عربية) سورية، وكل التواقيع على بيع أراضينا لا تستحق ثمن الحبر "الساقط" على ورق الصهاينة الرخيص والمزوّر كزور تاريخهم، وسنمحي تواقيعهم التافهة بدمائنا، كفانا ذلاً "طوعيًا" يا عرب ..

لن ينتهي حديثنا إلى هنا، دومًا لنا من تلك القصة بقية... دمتم...

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner