الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner

حيلة الأغبياء

حيلة الأغبياء

قال الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية "أبراهام لينكون": (تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، وتخدع بعض الناس كل الوقت، ولكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت)..

حتى لا يبقى المواطن أسيرًا للتشويه المعرفي السخيف مع فيضان شلاّله اليومي، وما نشهده حاليًا من سطوة مرض "الشهرة والكرسي" بأي ثمن، وما يحدث من ( اللّغوصة) في الأخبار والأحداث والتلفيقات والتصريحات وغيرها، بات من الضروري جدًا مناقشة "حيلة التذاكي الذاتي"، تلك الحيلة النفسية التي تمتاز بِ (الغباء) وترتبط دائمًا بِ (الدهاء)، والمكشوفة جدًا للجميع باستثناء من يمارسها..

وحتى لا تختلط المفاهيم ببعضها وتلتبس عليكم، فإن حيلة التذاكي لا تعني "التغابي" على الإطلاق؛ لأن ممارسة (الغباء الاجتماعي) في بعض المواقف، هو أحد أنواع الذكاءات الذي ننصح باستخدامه لإتقان "فنّ التعايش"، انطلاقًا من قاعدة سلوكية هامة مفادها (العيشة بدها ذكاء والتعايش بدو غباء). ولا تعني حيلة التذاكي كذلك "التغافل" فهو نقيضها تمامًا؛ لأن (التسامي) أحد الدفاعات النفسية الراقية، ويستخدم عند الترفّع عن سفاسف الأمور، حتى تسير عجلة الحياة بهناء ولا تكدرها الصغائر من الصغار. 

وعليه، من الضروري جدًا التمييز بين تلك المصطلحات حتى تفرّقوها عن بعضها عند التوصيف، ويسهُل عليكم كشف "المتذاكي"، وعدم "تكريمه" بالخلط بينه وبين المتسامي، وشتّان بينهما..

التذاكي لغويًا حسب معجم المعاني، يعني تصنّع الذكاء، أي أن المتذاكي عاجز عن الابتكار، وتصوّر له نفسه أنه خارق الذكاء، فيبدأ بتنفيذ خططه على أساس أنه غير مكشوف بقناعة منه أنه "الأذكى"، على الرغم أن الحكمة تقول أن (التذاكي على الأذكياء هو قمّة الغباء). والشخص المتذاكي يستخدم تلك الحيلة على جميع من حوله أقرباء وغرباء على حدّ سواء، ويقيس كل شيء في الحياة بِ (المصلحة) الشخصية البحتة، وما يحقق له عوائد مادية ومكاسب اجتماعية فقط، لذلك ثمنه رخيص جدًا، فمن السهولة شرائه، وبأبخس الأثمان؛ لأنه يعرّف نفسه كما يعرّف الأشياء، "بثمنها لا بقيمتها"، وقيمته الاجتماعية دومًا هي مجموع حاصل الضرب في "صفر" مهما كانت إنجازاته، لأن حيلته "الغبية" -أي التذاكي الذاتي- تشطب تاريخه إن أكثر من استخدامها، والذي يتذاكى أكثر من اللازم يحصد الهشيم في نهاية المطاف.

غالبًا ما يظهر هؤلاء المتذاكون بمظهر الجبال الشامخة، فيعتبرهم الناس "البسطاء" موسوعة معرفية وقاموس للوطنية ونبع لغوي لا ينضب من أمانته، فهم يصنعون لأنفسهم وهمًا من المجد والنجاح، ويحيطون أنفسهم بثلّة ممّن يغذّون "نرجسيتهم"، وبالتالي تتضخّم لديهم حيلة التذاكي حتى يُسقِطوا أنفسهم مجتمعيًا بصناعة ذاتية بامتياز، وتنحرق حينها هالة الورق المحيطة بهم، فتظهر حقيقتهم "الكرتونية" على الملأ. أليست هذه الحيلة هي رمز الدهاء بحدّ ذاته للغبي، عفوًا، للمتذاكي؟!

يحاول المتذاكي دومًا اقتناص الفرص بالطرق غير المشروعة قبل المشروعة عينها، فهو يرغب أن يتقدم الصفوف، كيف لا ونظره باستمرار يكون نحو "الأعلى"، الأعلى طمعًا لا طموحًا، حتى لو لم يكن هو الشخص المناسب للمكان المناسب، فهو مريض بالاستحواذ على السلطة ومصادر القوة؛ لأنه (لا) يعرّف ذاته بعيدًا عن ذلك، وهو يتوّهم أنه خارق القدرة وعبقريته تفوق الجميع، ولا أحد سيحلّ أيّ أزمة تعصف بالوطن سواه، هكذا يعرّف المتذاكي "أناه"، وتلك هي عقليته البرّاقة بِ(الغباء)..

وعلى الرغم من خلايا الغباء الكثيرة القابعة في زوايا عقله، إلاّ أننا كثيرًا ما نجد المتذاكي يتصدّر المشهد، ويتسيّد الموقف، ويتصيّد الفرص، ونتيجة لذلك نستطيع الآن أن نعرف سبب تخلّفنا وتراجعنا؛ لأن مثل هؤلاء من يحكمنا، لا أدري هل نزعل على أنفسنا نحن أم نشفق عليهم هم لشدة غبائهم؟!

يعود السبب في اللجوء إلى حيلة التذاكي، إما أن تكون مؤشرًا للشعور بالنقص وعدم الشعور بالقيمة سوى بالاستعلاء، وقد تكون "استخفافًا" في الآخر، وفي كلا الحالتين على حدّ سواء تُشير إلى جهل مُدقع وغباء مُطبق، وكلاهما مُرهق..

اعتقد أن المتذاكي ينطبق عليه الوصف العامّي ب (أبو العرّيف)، فهو يفهم بكل شي ويُفتي في كل شيء، ويتمنّى أن يكون في كل المواقع في ذات الوقت؛ لأنه يعتبر نفسه المرجع الوحيد للمعلومة، وأنموذج لأدوات النجاح، فيتصرّف كالنجم اللاّمع الذي يشعّ من ذاته الإلهام ليصنع التغيير في الأمّة بأكملها، وبما أنه يحيط نفسه بمحموعة من المسحّجين الذي يصفّقون له على فاشوش، يتولد لديه "الوهم" القاتل بأن جميع من حوله (كالإسفنجة) التي تمتصّ كل شيء، حتى لو كانت أقواله وأفعاله لا يقبلها العقل، ولكن ما يشعره بالنجاح والتفوّق على الآخرين هو تلك المجاملة الزائفة ذاتها منهم..

تقوم فلسفة المتذاكي على قول وفعل الشيء ونقيضه في ذات الوقت، فهو تارة مع وتارة ضدّ؛ لأنه يمارس الرقص الغبي على ألحان مصلحته، لذلك هو هامشي ملوّن، ويسقط فورًا في الموقف والفكرة بعد تغيّر الحال، ولا يعنيه إن تناقض مع قضية مقدسة كان يومًا مدافعًا عنها بشراسة، واهمًا بذلك أنه يمسك العصا من المنتصف، تلك المرونة القبيحة التي يتميّز بها المتذاكون بسرعة استغلال الحدث وتقولبهم معه،  تحسدهم عليها جرثومة "الأميبا" ذاتها المعروفة في تطفّلها وسرعة تحوصلها، وعلى الرغم أن المرونة عنوان للقوة، وهي سمة محمودة، ولكن، عند إتقانها من المتذاكين تمسي مذمومة جدًا..

الحاجز الفاصل بين الأذكياء والمتذاكين هو سيادة الضمير والشفافية والعقل المسنود بالمنطق، وليس الحلاوة من طرف لسانٍ مراوغ يروغ بنا كما يروغ الثعلب. ولا بدّ من التنويه هنا أنّ حيلة التذاكي لا تقتصر على الفرد فقط، فقد يمارسه مجتمع أو مؤسسة أو أمّة بأكملها، وربما "تنظيمًا"، وحتى الدول، وشواهد الواقع تشي بذلك بجلاء ووقاحة..

انتبهوا يا كرام أن التذاكي العقلي الفجّ، و "التباكي العاطفي المزيّف" منتشرة على أشدّها في هذا الوقت العصيب من تاريخ الوطن، فالكل يسابق الكل في التأرجح ما بين التسحيج والتهريج، غير آبهين لوين رايحين في المواطن والوطن، ولهؤلاء نقول ادّخروا نصيبًا من الذكاء "الحقيقي" قبل أن نقع ونحن نتسلّق على جبل من الرمال، واقتصدوا في الدمع ليوم يعزّ فيه البكاء..

صدق مظفّر النواب عندما قال فيهم "قال الجرذ ذو الشيب المصبوغ لإخفاء "الصفقة"، تبقى جسدًا للبوم والغربان، ونبحر دونك، فاقبل قبل فوات الفرصة صفقتنا"..

وفي الختام أقول لأصحاب العقول النقيّة، والقلوب الشقيّة، عذرًا، لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرًا..

من وحي الواقع أو من وحله، دومًا لنا من هذا الحديث قصة أخرى وبقية...دمتم...  

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner