الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

حوسو تكتب : أعداءٌ لمن نجهل

حوسو تكتب : أعداءٌ لمن نجهل
تعبيرية

خاص بـ "خبرني"

كتبت : الدكتورة عصمت حوسو

السلوك الإنساني أحجية الأحجيات، وموطن الشبهات والتعقيدات، ومن اعتقد فهمه كليةً فهو واهم ومليء الضلالات.

الدماغ البشري مجبولٌ على (إصدار الأحكام ) والمسبقة منها بالتحديد، ومن النادر جداً أن تجد شخصاً يلتقي بآخر دون تقييم أو تفسير لتصرفاته؛ فتلك جبلّة راسخة في الإنسان، لأنه كائن متعدد الأبعاد ، متداخل الأضداد، ما تراه بارزاً فيه فهو أعمق، ومن يسرف في تفصيله دون علم وخبرة ومهارة دائما يغرق..

نحن بارعون جداً في إصدار (الأحكام المسبقة) والسلبية منها على وجه الخصوص، تلك التي تجعلنا نتفرّس في سمات الآخرين الشخصية ونحكم عليهم بتفاصيلهم الدقيقة، وهناك فئة بيننا إن لم تجد ما يعيب الآخر تنبش في دواخله وحياته الشخصية وماضيه وربما نواياه  ثم تتنبّأ بمستقبله وكأنها تعلم بالغيب..

الحكم المسبق على الآخرين دون تجربة شخصية أو دون التعامل معهم مباشرة أو حتى دون معاشرتهم هو أكثر أشكال الظلم انتشاراً، وجماعة الحكم المسبق هم فرائس سهلة لإناس يستمتعون باغتيال الآخرين وتشويه سمعتهم وصورتهم ونعتهم بما ليس فيهم، تمادي أولئك الأشخاص وتكاثرهم يعود الى وجود آذان صاغية (مستمتعة) لأحكامهم الجائرة وغير الدقيقة على غيرهم.

من المعلوم أننا نحكم على الناس والأشياء بطريقتين لا ثالث لهما؛  فإما من خلال تجاربنا الشخصية وهي الأفضل ولكنها نادرة،  وإما نقلاً عن تجارب غيرنا وأحكامهم المسبقة الشخصية وهي الأوسع انتشاراً ولكنها الأسوأ، وحين نعمّم الحكم بغض النظر عن الطريقة نخطىء جداً، ونخطىء أكثر عندما (ندّعي) أن تجاربنا أو تجارب غيرنا قد كشفت لنا معادن الناس الأصلية إن كانت (سطحية)، فمن المحتمل جداً أن تكون- أي التجارب السطحية- قد (حرمتنا) متعة الاكتشاف بشكل أعمق، وربما تكون قد (حَمَتْنا) من الذهول لهول فجيعة الحقيقة قبل أن نعلق.

للأسف الشديد أن الأغلبية -إن لم يكن الجميع- هم أسرى لقائمة طويلة من الأحكام المسبقة حول الناس والأشياء،  فكم هي كثيرة جداً تلك الأشياء التي كنا نعتقد أننا لا نحبها ونخشاها الى أن جربناها، وكثيرون هم الأشخاص الذين حرمنا أنفسنا متعة معرفتهم ولقياهم بسبب ما تم تصديره لنا من الأحكام المسبقة الخاطئة عنهم. إن رفع سقف التوقعات يحمّلنا والآخر أكثر من المحتمل، فالأجدى والأسلم لجميع الأطراف أن نتعامل دون توقعات لنبتعد عن الحكم المسبق وأضراره.

هناك من يعتقد أن البعد عن الأحكام المسبقة هو (غباء اجتماعي) انطلاقاً من أن الذي كذب مرّة على سبيل المثال سيكذب مرّات، لكن لا يحق لذلك الشخص بوسم الآخر هنا بالكاذب دوماً، فمن حقه الابتعاد عنه وعدم تصديقه أو التعامل معه مرة أخرى لكن دون وصمه والتشهير به، ومن  حقه أيضاً أن يكون أكثر حذراً منه لكن دون تشويه لسمعته.

قد يبدو كلامي هذا يوتوبيا أو تنظير، لأن ما يجري في الواقع يعكس النقيض تماماً، فأمسى كل الناس كاذبين ونصابين وفاسدين ومراوغين ومنافقين بعد أن ضاع الصالح بعروى الطالح للأسف الشديد. فهناك فرق شاسع بين ( ادّعاء) معرفة حقيقتهم وبين أنني جربتهم وأرفض التعامل معهم، لا أحد يعرف ظروف الآخر تماماً وبكل تفاصيلها للحكم عليه بالوصمة الاجتماعية وللأبد، سواء أكان ذلك تأثّراً بما سمع أو حتى من موقف واحد أو ربما مواقف.

فقد أكون لا أحب المنسف على سبيل المثال، لكن لا يحق لي على الإطلاق بوصفه بالسيء، وبالمقابل يحق لي عدم تناوله أو الإعلان عن عدم رغبتي بطبخه، لكن دون التأثير على من لا يعرفون طعمه اللذيذ وحرمانهم فرصة تذوّق عظمة مذاقه !!

الابتعاد عن الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة الحياة والتجارب الجديدة، وفرصة التعرف على الناس ومنحهم فرصة أخرى نتركها للزمن ..

وسائل التواصل الحديثة جميعها لا سيّما الفيس بوك سرّع في الأحكام المسبقة،  لأنه بات من الصعب إقناع الأشخاص في (العالم الافتراضي) بالتأنّي أو التبصّر قبل التضامن مع قضية ما دون التأكد من صحتها، وهذا من آفات عصر السرعة، لذلك نشهد الحالة السائدة من تذبذب الرأي والموقف، لأن الذي تسرّع في الحكم المسبق وشارك في (هيستيريا السلوك الافتراضي) سيضطر الى الانسحاب لحفظ ماء وجهه بسبب الحكم الخاطىء ومشاركته إياه، سواء بالشأن السياسي أو الاجتماعي أو حتى في  شؤون الناس الخاصة؛ فبعد التضامن (مع) ينقلب الى الاحتجاج (للضد) .

الحكم المسبق يجعل من الجاهل عالماً وهذا هو (الجهل المركب) بعينه؛ فيجهل أنه لا يعلم، مما يقوده الى خسارة الناس والأصدقاء والأقارب والسمعة والمصداقية؛ فهناك فرق كبير بين ذلك الجاهل وبين طويل النفس ليتجنب كوارث لا تحمد عقباها. فكم من خطبة فشلت بسبب أحكام مسبقة من آخرين، وكم من موظف حُرم الترقية بسبب حكم مسبق كيدي، وكم من زواج فشل بسبب حكم مسبق غير مثبت، كأن يتهم الأزواج بعضهم بكره الأهل أو الخيانة مثلاً.

إن الأحكام المسبقة دوماً هي ظالمة لأنها تفتقر الى الأدلة القاطعة، فهي تعتمد على التناقل وهنا تتسع دائرة القبح. ( السلم الاجتماعي )  في الوطن الصغير والكبير على حدّ سواء يقتضي منا الرويّة، ومن بديهيات الرويّة هي التعقَل قبل إصدار الأحكام على الآخرين.

لا تجعلوا من أنفسكم علماء بسلوك البشر وأسرارهم فتطلقون عليهم الأحكام والوصمات جزافاً؛ فالسلوك الإنساني بحر من العوالم المجهولة والأسباب الغامضة تقودهم الى السلوك بما قد تروه أنتم غريب، ولن يعلم ما في النفوس الاّ خالقها، فدعوا البشر وشأنهم والتهوا بشؤونكم الخاصة، فالحكم المسبق على الآخر لا يعرّفه هو بل يعرّف نفسك أنت، ولا يعرّيه حكمك عليه بل يعرّيك أنت فقط.

 

إن أردتَم أن تعرفوا الناس وتفهموا سلوكهم لا تنظروا الى ما يرتسم على وجوههم، و لا تستمعوا الى ما تقوله ألسنهم، ولا تلتفتوا إلى ما يُقال عنهم؛ فكل ذلك  يشبه الزيّ، والإنسان  يغير زيّه الخارجي باستمرار، كيف لا وسمة التغيير والتبديل طبيعة البشر.  كما يتغيّر ما تحت الزيّ أيضاً، فحتى القلب هو الآخر يتقلّب و لهذا يسمونه قلباً، والعقل كذلك يغيّر وجهة نظره كلما غيّر الزاوية التي ينظر منها، وقد يقبل اليوم ما استنكره بالأمس. ألا يبدّل العلماء نظرياتهم بعد حين عند اكتمال البصر والبصيرة ؟؟!!

اعتمدوا على التجربة الشخصية للحكم على الناس لا على السمع والتناقل، وإن بدت الأخيرة مهمة في أخذ الحيطة والحذر الاّ أنها توقعكم في فخّ الحكم المسبق وظلم الآخر دون دليل أو تحقّق، وفي ذات الوقت احذروا ثم احذروا أن تقعوا في شباك الفرص الكثيرة فالمُجرّب لا يُجَرّب؛ والتجربة أكبر برهان..

ومن شاء منكم بعضاً من علمٍ عن الإنسان وسلوكه دون معرفة سابقة أو حكمٍ مسبق ؛ فلينظر فعله وما تقترفه يداه بعد ( سلطة كبيرة ) أو ( حرية كثيرة ) أو  ( امرأة جميلة ) أو (مشكلة شديدة ) أو ( مالٍ طارىء) أو ( محكّ يفضح ) ..

دوماً لنا في السلوك الإنساني حديث آخر وبقية أخرى ... دمتم...

Khaberni Banner
Khaberni Banner