الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

بلطجة أو تنمّر لا فرق

بلطجة أو تنمّر لا فرق

 

لماذا استهجن الجميع حادثة التنمّر التي حدثت في إحدى مدارس الخمس نجوم في الأيام القليلة الماضية؟؟ هل هي المرّة الأولى مثلاً؟؟ وهل يا ترى تتوقعون أن تكون الأخيرة؟؟ 

ما هي النتائج المرجوّة بعد كل هذا القمع والظلم واللاحيلة والإحباط السائد؟؟ ماذا تنتظرون أن يكون حالنا وأحوال العرب حولنا لا تسرّ العدو قبل الصديق؟؟ أو ربما تسرّ لا أدري !!

 

دائرة التنمّر تعيد إنتاج ذاتها بتكرار مقيت من القمة الى القاع وبالعكس، فهناك دولة تظلم أخرى، والدولة المظلومة تُسقط ظلمها على شعبها، فتتفنّن الحكومة بعد ذلك في التنمّر على المواطنين؛ الأب خارج البيت يتعرض للتنمّر من قبل رئيسه، فيعود لبيته يُسقط ذلك على زوجته، وهي تُسقط لاحيلتها إزاء تنمّره على أبنائها، الذين يفرغون ذلك بدورهم على زملائهم في المدرسة وغيرها، وهكذا يدور التنمّر في حلقات مفرغة، الكل يتنمّر على الكل في موقعه، وكل ضحية تعود لتمارس التنمّر على الآخر الأضعف وهكذا دواليك..

 

أشكال التنمّر لا تُعدّ ولا تُحصى نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ؛ تنمّر القوى العظمى عندما تقوم إحدى تلك الدول القوية بفرض ما تريده على دولة أخرى بالقوة سواء بالتهديد العسكري أو الاقتصادي فهذا تنمّر سياسي، وعند إساءة استخدام السلطة ضد المواطنين وفرض عقوبات غير مشروعة واستخدام السلطة في التخويف فهذا تنمّر حكومي، وعندما يتدخل الرأسمالي في إدارة مؤسساته وهو لا يفقه شيئاً ويعاقب من يخالفه بالفصل ويلحق الضرر بالموظفين فهذا تنمّر العمل، وعندما يتفشّش الزوج في زوجته بعد عودته متعباً من العمل ومضغوطاً من رئيسه وشعوره بالضعف أمامه فهذا تنمّر الأسرة، وعند استخدام وسائل الاتصال الحديثة لسرقة المعلومات الخاصة وابتزاز أصحابها لأهداف مغرضة فهذا تنمّر الانترنت، وعندما يهدّد الطالب زميله بالاعتداء والإهانة إذا لم ينفذ مطالبه المهينة فهذا تنمّر المدرسة، وعند رمي الآخرين بكرات الثلج أو الماء أو البيض فهذا تنمّر الشارع، وعندما تنتقي وسائل الإعلام أخبار الفضائح وتلوّن الحوادث بنكهات إعلامية خبيثة للتشهير تحت ستار السبق الصحفي فهذا تنمّر إعلامي..

قائمة التنمّر هنا تطول وتطول، فهو منا وفينا وعايش معنا ومتفشّي بيننا في جميع مؤسساتنا بلا استثناء، وهو ينخر في الجسد المجتمعي نخراً حدّ التسوس للأسف الشديد، لا بأس إذن إن كان اسمه بلطجة أو تنمّر فلا فرق..

 

ماذا تتوقعون من هذه الدائرة العالمية والمحلية للتنمّر، وهل هناك غرابة من انتشارها بين الأطفال والكبار في ظل هذا الوضع المأساوي؟؟ هذا لا يعني بالطبع التشاؤم ولا يعني أيضاً استحالة الحل، ولكن قبل أن نتوقف طويلاً عند ( الدهشة ) ونتحدث بما حدث، دعونا نركز على ما يحدث الآن وتقليل خطورة ما سيحدث مستقبلاً..

النتيجة الحتمية لشتّى أنواع التنمّر السائدة في الوطن لن تُخرج سوى شخصيات مضطربة نفسياً ( ومدمنة) على السلوك العدواني، كيف لا وكل أنواع التنمّر المذكورة تقود الى نقص تقدير الذات ثم الانحراف وزيادة عدد الشخصيات المضادة للمجتمع، أما انتشار الاكتئاب والقلق وغير ذلك من الأمراض النفسية فحدّث بلا حرج..

إذا أردتم أن تقضوا على دائرة التنمّر لا تركّزوا على علاج ( الأعراض) فقط، بل ابحثوا في ( الأسباب) كذلك وعالجوها من جذورها؛ فلم تعد المسكّنات تجدي نفعاً لا لظاهرة التنمّر فحسب بل لجميع الظواهر النفسية والاجتماعية التي تهدد الحفاظ على بقاء النسيج المجتمعي متّسقاً.

لا يمكن أن نعالج ظاهرة دون الكشف عن مدى ارتباطها بظواهر أخرى؛ فالتنمّر مرتبط بالعنف اللفظي والجسدي وأنواعه الأخرى، والعنف والتنمّر مرتبطان بانتشار ظاهرة الانتحار، وانتشار الجرائم مرتبط بهم جميعاً وبظواهر أخرى. فهناك منظومة متكاملة يجب العمل عليها من جذورها لعلاج تلك الظواهر المرتبطة ارتباطاً عضوياً (بالطبيعة البشرية) وممتدة على امتداد الحياة، وهنا على وجه الخصوص تظهر أهمية العدالة الاجتماعية والدولة المدنية وسيادة القانون.

الشخص الذي يلجأ للتنمّر يشعر بالضعف ويحتاج أن يثبت لنفسه قبل غيره بأنه ما زال قوياً، فيمارس الدفاع النفسي الشهير (بالإسقاط) على الآخرين خصوصاً الأضعف والأقلّ حيلة، فيحاول المتنمّر إخفاء النقص الذي يشعر به بادّعاء القوة الوهمية، ويغلّف عدم ثقته بنفسه بغلاف العنف، ويلبس أقنعة السلطة ليخفي بها وجع شعوره بعدم الأهمية والتهميش.

وقد يكون المتنمّر في حالات كثيرة من أعداء النجاح لعدم قدرته أن يكون ناجحاً كغيره، فيشعر بالحسد والحقد اتجاههم لأنهم يملكون شيئاً يفتقده كالقوة والاهتمام والنبوغ وغيرها من الصفات الحميدة المرغوبة والمحروم من امتلاكها بسبب الضعف الذاتي، لذلك يلجأ الى الاستقواء على الآخرين والتعدّي عليهم وإخضاعهم لفعل ما يُريد تجنباً لشراسته وأذاه..

 

إفلات المتنمّر من العقوبة هو ما يزيد عدد المتنمّرين في الوطن، فمن أمِنَ العقوبة أساء الأدب، فلا يوجد قوانين تتعامل مع التنمّر بوضوح ودون ضعف، كما تزيد تعقيدات عمليات الشكاوي والمقاضاة من هذه الظاهرة لأن اجراءاتها أكثر إزعاجاً من التنمّر ذاته، أما عدم توافر أدلّة كافية تُدين المتنمّر وصعوبة التمييز بين مزحه من جدّه يقود الى التمادي في التنمّر وصعوبة إثباته، خصوصاً إن ابتعد عن دائرة الأذى الجسدي المُثبت.

مسؤولية علاج التنمّر من جذوره تتشكل من (مثلث) ذي أضلاع ثلاثة متساوية، على رأس الهرم تقع المسؤولية على عاتق الحكومة ثم المؤسسة التعليمية ثم الأسرة، كل طرف من هذه الأطراف يتربع على رأس الهرم في مرحلة معينة. آن الأوان لوضع السياسات والبرامج الجديدة التي تتناسب مع المرحلة والجيل المسخّم، أما إجراء الدراسات ذات العلاقة لتحديد حجم هذه المشكلة ومخاطرها فهذا وقتها ، وهل هناك وقت أخطر مما آل إليه حالنا الآن؟؟؟

عندئذ فقط سنتمكن من الحدّ من ظاهرة التنمّر البغيضة، والتعامل معها بإجراءات وقائية مسبقة، هذا لا يقلّل بالطبع من شأن حملات التوعية ضدّ التنمّر، وتوعية العائلة والأسرة التربوية بأهمية دورها في تعليم أفرادها على التواصل الصحي فيما بينهم، وضرورة الشعور بالتقبّل والاحترام داخل الأسرة وغمرهم بالحب والاهتمام. أما العمل مع (المختصين) بهذا المجال تبرز أهميته القصوى حالياً لوضع برامج علاجية للمتنمّرين وضحاياهم على حدّ سواء.

 

إن العمل ضمن منظومة مجتمعية متكاملة الأدوار يوفر الحماية الاجتماعية ( والمناعة النفسية ) أمام التنمّر. أما الإهمال وسوء المعاملة والظلم حتماً ستقود الى مجتمع مليء بالمتنمّرين، لذلك أعطوا الأمان للإعلان عن التنمّر دون خوف من العقاب والعواقب لخلق مجتمع صحيح نفسياً وأجيال سويّة خالية من ( البلطجة) ..

من الضروري أن يتبع هذا الحديث بقية...دمتم...

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner