الرئيسية/رسالة إلى ...
Khaberni Banner Khaberni Banner

بغداد ... وجرحها المفتوح!

بغداد ... وجرحها المفتوح!

أربعة عشر عاما بالتمام و الكمال على ذلك اليوم النيساني الذي لا يمكن ان ينسى .... أربعة عشر عاما مرت على بغداد وجرحها المفتوح منذ الأزل ... أربعة عشر عاما تغير فيها وجه التاريخ كثيرا الا في بغداد بقي الجرح ينزف نفس النزف منذ اول سقوط و منذ اول احتلال و منذ اول اجتياح! أكاد أجزم ان لا مدينة في العالم القديم .... و لا مدينة في العالم الجديد نزفت كما تنزف بغداد منذ ان أغار عليها التتار ... او ربما حتى قبل ذلك بكثير ؛ فتاريخ بغداد اختلط فيه الدم مع الحضارة .... والقتل مع الفكر ... والظلم مع النهضة .... و الحرية مع الفوضى .... عبر كل العصور لتستحق بذلك لقب مدينة المتناقضات! في ذكرى السقوط ، او ربما الاحتلال ، او حتى اذا أسميناها ذكرى التحرير كما يحلو لكثيرين ... بغض النظر عن المسميات كل حسب ميوله و اعتقاداته .... لا يختلف الجميع ان بغداد تغيرت كثيرا ؛ أصبحت مدينة مفتوحة على رائحة الدم ، أصبحت مدينة يحتاج فيها الجميع الى تأشيرة دخول إلا الموت ، فدخوله مجاني ، وحصاده بالجملة .... صديق قديم يحب تسمية بغداد الاي عاش فيها بعد السقوط بأنها "المدينة المشتعلة" وهو وصف يكاد ينطبق على بغداد منذ حضارتها الاولى. بغداد هي اول الحضارة ؛ وهي التي أسست لأول دولة مدنية .... هي التي كانت شاهدة و حاضنة لشريعة حمورابي .... وهي التي رفدت الانسانية عبر كل ازمنة الحضارة التي مرت فيها بالعلماء و المفكرين و الادباء و الشعراء و المجانين و رواد الفن! لا زلت أذكر دمعات أبي التي حبسها في عينيه لحظة رؤيته للدبابة تسرح و تمرح في بغداد ؛ مع انه بحكم علاقته الوثيقة مع بغداد كان تنبأ ان بغداد لن تصمد امام العجول الا شهرا على الاكثر! ولا زلت أذكر انهيار العم العزيز العراقي المرحوم أبو الليث على بغداد و بكاؤه كطفل صغير يومها رغم أنه كان يشتهي ان يحول عظام أهل النظام الى مكاحل على مر السنوات التي سبقت تلك الحرب! لا زلت أذكر الصدمة التي خيمت على العرب من مشرقهم الى مغربهم يومها حتى اولئك الذين سعوا لخراب بغداد بأيديهم و أرجلهم و قلوبهم! وهيهات ان بنفع الندم بعد ذلك اليوم .... فبغداد وحدها نزفت ... و بغداد وحدها التي لا زالت تدفع الثمن .... و بغداد وحدها التي فارقها أبناؤها بين صنفين : مشردين في كل اصقاع الارض يحلمون ببغداد تعود كما كانت جميلة ..... و شهداء على أرضها منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر كل يوم ان يصدق وعده لبغداد فيدفن فيها! كنت قد رأيت بغداد في طفولتي ؛ ومع انني زرت قبلها بيروت و ميونخ و بون و كوالالمبور و غيرها .... إلا ان طفولتي البريئة لم تخزن في ذاكرتها أجمل من بغداد ولا أزكى من رائحة التاريخ فيها .... ولا أكثر سحرا من نخيلها و اخضرارها .... ويا ليتني لم أزرها بعد ان شاخت و هرمت و اكتئبت هذه المدينة ! حين زرتها بعد ان تعبقت بالدم .... الدم الحرام بين أبنائها وأهلها .... بعد أن فُتنت في نفسها ؛ لم استطع ان اقنع كل طفولتي السابقة أنها نفس بغداد التي احببت أرضها ؛ وفراتها ؛ و ناسها ... و أنفاسها! جرح بغداد لن يندمل إلا اذا صحى أبناؤها .... وكفّ الحاشرون أنوفهم شرّهم عنها .... و لن تعود بغداد عاصمة العرب الجميلة إلا اذا عاد العلم يعمرها .... وعاد الحب بين أهلها ... وعاد الأمان الى مخدعها .... وعودتها ليست مستحيلة فقد نهضت بغداد بعد الخراب قبلاً و لعلها تعود بعداً .... ولو بعد حين! بغداد يا مدينة الوجع الملتهب ... بغداد يا أجمل العواصم .... بغداد يا جسر الحب ... يا قلب الحضارة ... يا عاصمة العلم .... إنهضي من سباتك .... قومي من غيبوبتك .... أوقفي نزيف الدم .... احضني أبناءك كلهم .... وافتحي ذراعيك مرة أخرى للجميع .... فأنت أم العواصم و أم البلدان إن أردت ان تعودي...... بغداد .... اشتقت لبغددتك .... اشتقت لدغدغات فرحك .... اشتقت ان اراك عروسة المدن كلها ..... وجرحك النازف هذا في رقبة كل العرب من المحيط الى الخليج فنحن من تخلى عنك حين احتجت دفأً يحتضنك و يضمد جراحك ؛ إلا أن اللؤم فينا كان أكبر فجحدناك و تركناك و عقدنا العزم أن ننساكِ...... فضاعت بعدك عواصم كثيرة لأن خطيتك كبيرة!
Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner