الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

الهاتف الغبي

الهاتف الغبي

الانتشار اللامسبوق الذي حازته الهواتف (الذكية) في المجتمع العربي بطريقة (غبية) هو مبرّر منطقياً؛ فالتلهّف الإنساني يتضخم عند سيادة (الفراغ)؛ الفراغ الفكري والوجداني والوقتي والنفسي وربما العقلي!! شتّان بين من يملأ كأسه بكوكتيل فواكه مخلوطاً بفيتامين يساهم في تغذيته ونموّه بشكل صحي، وبين من يملأ كأسه بكوكتيل ممنوعات أو محرمات ترفعه على الحارك الى سابع سماء ثم تقذفه فوراً الى سابع أرض، فعلاً، شتّان ما بين المعرفة والاستعراض، شتّان ما بين الثرثرة والكتابة، وشتّان ما بين الوطنية والبلطجة، ومثل تلك الثنائية (ثنائية شتّان) نشهد الآن الكثير والكثير .. معظمنا إن لم يكن جميعنا يملك أحدث الأجهزة الذكية على اختلاف أشكالها، وأهمها بل وأكثرها شيوعاً هو الهاتف المسمّى بالذكي،  لكن كم منا يعرف فعلياً استخدام جميع تطبيقاته؟؟  كم منا يستفيد من الخدمات الكثيرة التي يقدمها أو يعرف أنها موجودة فيه على الأقل ؟؟!! اعتقد ولا أجزم هنا أن عددنا كبير وربما أكون منهم كذلك، والله أعلم !!

هذه هي ثقافة (الاستهلاك والاستعراض) التي سقطنا في شركها جميعاً دون هوادة، قسراً في حين وطوعاً في كثير من الأحيان في هذا العصر؛ عصر الحداثة، عصر (الانفصال الاجتماعي) لا التواصل الاجتماعي كما يدّعون، تماماً كما سقطنا في وحل التغريب قبله، وما أدراك.. بات من المعتاد جداً والشهير كذلك أن نجلس في جمعة عائلية أو مناسبة اجتماعية لا يتفاعل فيها الشخص مع الآخر ولا يستمع له أصلاً، ومن الممكن جداً التواصل في ذات الجلسة  وباللغة المركبة العجيبة المتداولة عبر تطبيقات هذا الهاتف الذكي أو الغبي لا أعلم، ما أعلمه الآن أن هذا الهاتف رغم غبائه بات أذكى من مستخدمه للأسف الشديد.. زحمة الأدوات الحديثة الكثيرة جداً، وضجيج وسائل الاتصال المتعددة، وغياب الاستخدام السليم للتكنولوجيا، حقّق عكس مراده للأسف الشديد الى حدٍّ أربك الاتصال الإنساني المباشر الحميم؛ فغابت متعة المشاركة بالأفراح والأحزان، واستعضنا عنها برسائل باردة ومختصرة، وأحياناً منسوخة ومكرّرة، تُرسل باللهجة ذاتها وبذات النص للجميع رغم اختلاف درجة القرب والقرابة.  غابت الحميمية بيننا وغابت معها خصوصية الدفء التي ميزت أفراحنا وأتراحنا وأعراسنا وعزاءنا وصحتنا ومرضنا وغضبنا وودّنا.  لم يعد هناك متّسع أو حتى أهمية لانطباعات الوجه والضحكات ولغة العيون والنظرات والانطباعات، كل هذا الكم الجميل من التواصل الحميم اختصرناه بعبارات ركيكة غاب عنها في حالات كثيرة النحو والقواعد والمعنى والذوق، وربما غابت معها أيضاً لغتنا الأم؛ لغة الضاد ذاتها، ويا حسرة على حالنا وأنا منكم... الاتصال هو رغبة ملحّة في العقل الإنساني، ملحّة بقدر إلحاح (اللغة) في أدمغتنا جميعاً، ملحّة أيضاً بحجم تعقيد أفكار وعواطف بني البشر. وحقيقة الأمر أن أساليب الاتصال السريعة والسهلة انتهت بنا الى محتوى اتصال سريع وسهل أيضاً، صحيح أنها مفيدة جداً في عالم الأعمال والاقتصاد والعلم، وتبرز أهميتها أيضاً أن استخدامها يمكّننا من اللحاق بسرعة العالم ومحاكاة سرعة التواصل في أي زمان ومكان. ولكن من الواجب علينا أن لا ننكر أن تلك الثورة (الرابعة) وأدواتها الفخمة والمريحة جداً قد أخفقت بدرجة نجاحها ودرجة انتشارها ذاتها، عندما تم إقحامها في بداياتها (قسراً) ورغماً عنا في عالم العواطف الإنسانية، تلك العواطف والمشاعر الراقية التي لا يمكن أن تنمو دون حميمية وإن كانت برتابة مع طول نفس وحساسية فائقة.. قد تكون وسائل تواصلنا (القديمة) غير مجدية أبداً في قطاع التسويق حالياً، ولكنها بلا أدنى شكّ دافئة وكافية للحفاظ على اتصال إنساني بديع وراقٍ..

دعونا نبعُد عن اختراق هذا الهاتف الغبي لمشاعرنا وتواصلنا الحميمي، ولندعه للاستخدام في العمل فقط، بعيداً عن التعارف والتعبير عن الحب وصلة الرحم والتواصل الحميمي المباشر؛ فنماذج الورود والقلوب وصور الوجوه المعبرة التي تملأ هواتفنا تلك والتي نستخدمها كلّنا، بدلاً من التعبير عن حال مشاعرنا وقت إرسالها أمست مرسومة بسذاجة على الشاشات الذكية، فجعلت عواطفنا (عمومية) كسياراتنا الخاصة التي أصبح يستخدمها تكسي (أوبر) أو كريم وغيره للعموم، فالصورة ذاتها تُرسل للجميع بغض النظر عن صدق المشاعر.. حاجتنا الى الدفء في طقس هذا العالم قارص البرودة العاطفية حاجة إنسانية مشروعة حالياً؛ فهل هناك من (ذكيّ) مجيب باستثناء الهاتف الذكي ؟؟!! ربما يكون لنا حُصّة أخرى وبقية من هذا الحديث... دمتم....

 

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner