الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner

النفايات الفكرية (كثرانة)

النفايات الفكرية (كثرانة)

لا تكترثوا إن تعرّض أيّ منكم أو أوطانكم إلى الإساءة أو التشهير أو الشتم أو التبلّي أو التزوير وغيرها من إفرازات النفايات الفكرية، ألَمْ يتعرض العلماء والشرفاء ورجال الدين والرؤساء وحتى التاريخ والجغرافيا لإساءة النفايات البشرية وأفكارهم؟! فلماذا نحزن إذًا عندما نتعرض إلى القذف والشتم؟! أليس لتلك (النفايات) البشرية والفكرية من اسمها نصيب؟! وهل تتغطّى الشمس بغربال؟!

لا تحزنوا يا سادة؛ لأن تلك النفايات لا تنجح في أغلب الأحوال، فرائحتها النتنة تفوح سريعًا، ربما تسبب لكم إزعاجًا لا أكثر.

ما يساعد على رواج أفكار النفايات هو تنامي المواقع والصفحات والحسابات (الصفراء) التي يتم توظيفها لنشر النفايات الفكرية بشكل سريع، والمختصة في الكذب والتحقير والتشهير والإساءة للناس على وجه الخصوص، ويعود السبب في شهرتها (الرخيصة) هو بحثها عن الإثارة والشهرة وزيادة عدد المتابعين من (فئة الساذجين)، وفي كثير من الحالات تكون تصفية أحقاد وحسابات شخصية نتيجة للشعور بالدونية، أما الحكماء والعقلاء فهم وإن تابعوا القيء الصادر من أفواه تلك النفايات، لا يسيرون وفق ثقافة القطيع بإعادة نشر ونقل ما يقرأون وما يسمعون دون تمحيص وغربلة، مثل الأغلبية التابعة للقلوب السوداء وللإعلام الأصفر ، ذلك الذي لا هدف له ولا حتى رؤية سوى تحقيق الانتشار السريع، وشتّان ما بين إغرائية "الوقار" وما بين إغرائية "الانتشار"، ولكم حرية القرار والخيار يا سادة، هل تسيروا وراء القطيع أم تنأووا بأنفسكم في صفّ الحكماء ذوي العقول النقيّة بيضاء السمعة؟!

النفايات الفكرية تأخذ شكلين لا ثالث لهما نظرًا لتصلبها الفكري وبُعدها عن (المرونة العقلانية)، أما مرونتها (الزئبقية) فحدّث بلا حرج، فالشكل "الأول" لها هو (تقولبها) حسب شكل الإناء الذي توضع فيه ونوع المحلول الذي تحلّ فيه بناءً على مصالحها ومصالح مستخدميها، أما الشكل "الثاني" هو (تموضعها) عندما تأخذ شكل الجليد الذي يكسر كل إناء يوضع به، بمعنى آخر ، وبالعاميّة، إما سحّيجة منافقين وإما مأجورين مُغرضين، لا يميزهم سوى إطالة اللسان والتهم الجاهزة الرديئة المعلّبة كمكعّبات الماجي الموضوعة على رفوف السوبرماركت بجانب منكّهات الأكل الأخرى وفوق رفّ مهضمّات المعدة، ليسهل بلعها واستيعابها ثم علكِها، وفي كلا الشكلين للنفايات الفكرية على حدّ سواء، لا يخرجهما عن التعريف الحقيقي العامّي لها والمتداول ب "الزبالة" التي يجب التخلص منها سريعًا قبل أن تقتلنا رائحتها، على الرغم أن زبالة فضلات الطعام ونفايات البشر أصبحت تجارة عالمية اليوم، ويمكن الاستفادة منها بإعادة تدويرها، وتدرّ دخلاً قوميًا هامًا، أما نفايات الأفكار فلا وظيفة لها سوى تسميم البشر وعقولهم، وكما قال الشاعر العربي الخزرجي "حسّان بن ثابت": (أجساد البغال وأحلام العصافير)، مع شديد الاعتذار للحيوانات..

أما طريقة عمل العقل- إن وُجد- في النفايات الفكرية هو اختلاق الحجج التي يتذرّعون بها لتبرير أي عمل يقومون به مهما كان مؤذيًا، لدرجة يصدقونها أنفسهم، وفقًا للمثل الشعبي "كذب الكذبة وصدّقها"، فذلك هو ديدنهم، لذلك لا تتعثّروا بتلك النفايات التي تنتج من طريقة تفكير الناس بكم وعنكم وحتى عن (التاريخ والجغرافيا) كذلك، وإنما افشقوا عنها ولا تبالوا، فالإهمال والتجاهل أفضل تعبير عن "الاحتقار"، ولا يليق بالنفايات سوى الأخير..

فلا تحزنوا أيها الكرام إن هاجمكم شخص أو موقع أو صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، فالعمر مهما طال قصيرٌ جدًا، وهو أهم بكثير من إضاعته بالردّ على كل سفيه أو معتوه أو بائس مُفلس لا يجيد سوى ثقافة "الردح"، أما أنتم فلا تحيدوا عن تركيزكم أو حرف مساره بعيدًا عن تحقيق أهدافكم والاستمتاع بما تفعلون، فالانتقام الحقيقي هو جعل عدوّكم سجين نجاحكم، كما أن تاريخكم وأرواحكم وأفكاركم وأسمائكم النظيفة لا تستحقّ منكم تلويثها بالنفايات الفكرية، اتركوا إنجازاتكم وما تخطّه أياديكم وصنيعة أفعالكم تدافع عنكم، ودعوا الخلق للخالق..

مقياس التقدم هو نتيجة "الجهود الذهنية" وما تفرزه من معرفة، ومن المفروض أن تكون عمل تشاركي بين "الحكومة والمواطن"، وهيهات، هذا فقط ما يحقّق الانتشار المُبهر والانتصار المُذهل، وليس اغتيال الشخصيات والأوطان أو ترويج الشائعات وإثارة الفتن النائمة أو بثّ الرعب بين المواطنين، وبخلاف ذلك يسوق الجميع إلى فجوة الفشل والتخلّف عن الآخرين وباقي الأمم والأخطر هو ضياع الوطن، ووقتئذٍ تصبح المشاركة بين الجهتين بذات الرائحة العفنة، فقط، لتلك النفايات الفكرية مع اختلاف المضمون، ولا تستحقّ حينها منّا سوى ( الطمر )، مع احترامنا للنفايات..

نحن بحاجة اليوم إلى ( تسونامي ) معرفية تخلّصنا من النفايات الفكرية الجاثمة على صدورنا؛ لأن التملّص من التصدّي لها سيصيبنا جميعًا بالتسمّم المزمن، فنحن وإن ابتلينا بمرض "فقدان المناعة الفكرية" -أي الإيدز الفكري- لا تعفينا الإصابة من تحمّل المسؤولية أمام من يمارس الدور التخريبي التدميري للعقل وللإنسان وللوطن.

وتوكيدًا على ذلك، وبالعودة إلى الفلاسفة في هذا الإطار نجد الطبيب الإنجليزي المرموق الفيلسوف ( جون لوك ) قد اعتبر أن وظيفته الفلسفية تتمثّل في "كنس" النفايات الفكرية العالقة في الأذهان والمعيقة لتقدم المعرفة العلمية وتقدم المجتمع.

وفي الختام نقول، عندما تمسي المصالح هي مقياس كل شيء، ومحرّك كل شيء، وتتطابق مع المبادىء، فذلك كافيًا لمدّ العقل الإنساني بالنفايات الفكرية "الكبرى" التي تُشعره أنه مكلّف بالبحث عنها وربما اختراعها ثم الجري ورائها ونقلها، دون أن يكلف نفسه عناء البرهنة، ومن يسعفه الحظ هو القارىء المُبصر الذي يشعر بالخديعة، ويرفض الفخّ الفاغر فاه أمامه..

وعليه؛ إن التلوّث الناجم عن النفايات الفكرية المنتشرة في "المواقع" هي أكثر إيذاءً وأشدّ خطرًا للإصابة بِ (التسمّم العقلي والجسدي) من نفايات الطعام المرميّة في الشوارع، دستور من هذا الواقع الرديء، فاحذروه..

خطورة هذه النفايات الفكرية "الكثرانة" جدًا في المواقع وفي الواقع، وأهمية الحذر منها وقايةً للعقل الجمعي، يُجبرنا لا بل يحمّلنا مسؤولية كبيرة أن يكون لهذا الحديث من بقية...دمتم...

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner