الرئيسية/خاص بخبرني
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

الزوج المستحيل

الزوج المستحيل

من خلال مشاهداتي لعدة نماذج سواء في مجال عملي الأكاديمي في الجامعات أو عملي المهني في مركز الجندر (النوع الاجتماعي)، وصلت الى حقيقة مفادها: أن جوهر الخلاف بين الجنسين سواء في حالة التوجه نحو الارتباط أو بين الأزواج ، تعود الى وجود فجوة كبيرة بين النموذج (المتخيّل) في عقل كلا الجنسين عن الشريك أو الشريكة وبين النموذج (الحقيقي) للشريك المتوفر على أرض الواقع..

تعود هذه الفجوة الى كافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية لنموذج الشريك (المثالي) ،  فنجد أن الطرفين يحاولا تغيير الآخر الشريك للاقتراب نحو النموذج الدماغي (المستحيل) وليس تقبّل هذا الآخر (الأهم) كما هو على أرض الواقع، وهنا تبدأ النزاعات والخلافات التي تقود الى الانفصال المعلن أو الخفي سواء في العلاقة حديثة العهد أو حتى العلاقة القائمة منذ زمن طويل .. كما يعود السبب الأكبر لهذه المعضلة هنا الى الروايات والأفلام والمسلسلات والحكايا المتناقلة والتجارب الشخصية غير الممثّلة ، التي تصور الشريك بشكل مثالي لدرجة عدم توافره فعلياً على أرض الواقع؛ فتقع (الأنثى) تحديداً ضحية لهذا النموذج للرجل العربي (الخرافي)، والرجل كذلك .. الكتابة عن الحب باستمرار بشكل خيالي في الروايات ومشاهدته بشكل مفرط في الأفلام قد أفسد مفهوم الحبّ الحقيقي لصالح (وسواس الحبّ) القهري وأفرغه من محتواه السامي، كما شوّه معنى الحب الممكن تواجده حقاً على أرض الواقع.  إن ما تقدمه وسائل الإعلام عن نموذج الرجل العربي (المستحيل)، يجعلنا نتعاطف مع الرجل الحقيقي الفعلي الذي تعرّض الى هزائم متفاقمة وخيبات أمل متكررة على أرض الواقع وطنياً وعربياً واقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً، مما جعله مهزوماً أو هازماً لقلبه وقلب شريكته. كما يجعلنا نتعاطف أيضاً مع نموذج المرأة العربية (المستحيلة كذلك) التي قادتها تلك الإحباطات المجتمعية للرجل الى انقلاب الأدوار بينها وبينه، وأدت الى فشل تلك النماذج المرغوبة وفشل العلاقات بين الجنسين فشلاً ذريعاً ، وذلك بسبب تفريغ الإحباطات المتراكمة وإسقاطها على الآخر الحقيقي لصالح المُتخيّل اللاحقيقي .. بالمقابل تلك الأدوار المقلوبة أتت لتفرض على المرأة العربية تحمُّل ما لا يمكن احتماله من هموم الحياة وهموم أولادها وهموم عملها من جانب ، وتحمل انتكاسات وهزائم شريكها من الجانب الآخر. الأمر الذي أدّى الى تكرار نماذج زيجات عربية (مزيفة) تأخذ أشكال الطلاق النفسي والروحي والجسدي والمكاني بين الأزواج تحت مظلة ضرورة استمرار العلاقة الزوجية الفاشلة بحجة حماية الأسرة، لأن إملاءات المجتمع تفرض علينا الحفاظ على الشكل الاجتماعي للأسرة حتى لو كان مزيفاً. فاستمرار الزواج في تلك الحالة لا يعني بالضرورة نجاح ذلك الزواج وإنما هو (استسلام إذعاني) من طرفي هذه العلاقة أو ربما من واحد منهما على الأقل ، قد يكون السبب لأحدهما تجنّب وصمة المجتمع وغالباً ما تقع المرأة ضحية لذلك، ويقع الطرف الذكري في مطبّ (رهاب) التغيير، وقد يكون عدم وجود (بدائل) أفضل من تلك العلاقة القائمة بينهما أحد أهم دوافع ديمومة تلك العلاقة المتآكلة جداً..

إن جميع ما سبق ناجم عن ضعف المهارات الاجتماعية للجنسين مقابل ترسّخ التصورات الاجتماعية الموروثة عن الجنس الآخر وتوقعات كل طرف من الآخر، فيصبح النموذج (المتخيّل) عن الآخر هو الأصل والنموذج (الحقيقي) الموجود في أرض الواقع هو الاستثناء للأسف الشديد.. وهنا تبدأ سلسلة المآسي العلائقية: المأساة بين الشريكين ، والمأساة عند الجنسين غير المرتبطين بحجة عدم إمكانية وصول الطرفين لذلك النموذج المتخيّل، ويتبع ذلك الزهد بفكرة الزواج جملة وتفصيلاً ، والمأساة عند الأزواج بسبب تكرار الخلافات تصل حدّ الانفصال بينهما عاطفياً أو مكانياً. وفي كثير من الحالات قد تستمر العلاقة بشكل وهمي فينخرها السوس حدّ الخيانة أو اغتيال شخصية الآخر أمام الأولاد وتحطيمهم نفسياً ، أو ربما اغتيال شخصية الآخر أمام المجتمع لتبرير وهن العلاقة وتبرير استبدالها خصوصاً من قبل الطرف الخائن. يؤثر ذلك على الصحة النفسية للأزواج والأطفال بشكل خاص وعلى صحة المجتمع بشكل عام، مما يؤدي الى تطور الظواهر الاجتماعية المرضية (والمعدية) جداً والتي تستمر غالباً بدون تشخيص أو حتى علاج، ليصل المجتمع الى حدّ إنتاج وإعادة إنتاج تلك النماذج المتهالكة والفاشلة..  ولتجسير تلك الفجوة بين توقّع (النموذج المتخيّل) والواقع الحقيقي المتوفر لدى الجنسين على أرض الواقع يجب التدرب على مهارات التكيّف الاجتماعي لتقبّل الآخر كما هو دون عناء تغييره أو تغييرها، وذلك من أجل الاقتراب النسبي من النموذج المرغوب ..  إن ذلك النموذج المتخيّل قد حقق السعادة والأمل لفترة كافية قبل العثور على الطرف الآخر (الشريك) الواقعي، وفي تلك الحالة على وجه الخصوص -أي عند العثور على الشريك الواقعي- يكون النموذج الدماغي الخيالي قد  فقد مفعوله وجدواه ويجب التخلص منه نهائيا.. تذكروا دائماً أن الخريطة الورقية المثالية ليست هي بالضرورة الأرض الفعلية، والخريطة العربية في الوقت الحالي خير مثال صارخ ..... دة . عصمت حوسو رئيسة مركز الجندر (النوع الاجتماعي) للاستشارات النسوية والاجتماعية

Khaberni Banner Khaberni Banner