الرئيسية/عيون و آذان
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

الجندر بالعربي

الجندر بالعربي

التشويش والغموض الكثيرين حول مفهوم الجندر المُعرّب (بالنوع الاجتماعي)،  أجبرني على الكتابة عن هذا المفهوم وتوضيحه كوني مختصة به وأوظفه في عملي مع الحالات التي تراجعني فيما يتعلق بالعلاقة بين الجنسين على وجه الخصوص. يبدو أن هذا المفهوم ما زال مبهماً الى الآن رغم كل الجهود للأسف الشديد، لا أدري على من يُلقى اللوم والعتب، هل هو على العاملين والعاملات في هذا المجال أم على رفض (البعض) الدائم لكل جديد دون عناء الفهم والتمحيص..

صحيح أن مفهوم الجندر غربي الجنسية ولكنه في الواقع شرقي الجوهر والملامح وهو عالمي بذات الوقت، وربما يبدو مفهوم الجندر أيضاً حديثاً من حيث (اللفظة) ولكنه في الحقيقة قديماً  جداً من حيث (الفحوى) والمضمون، فهو يعبر عن قطبيّ  المجتمع ؛ (الرجل والمرأة) .

لذلك ارتأيت أن أقدمه من زاوية (عربية) بما يتناسب مع ثقافتنا ومجتمعنا العربي، فليس كل شيء يأتي من الغرب جيداً  أو سيئاً  على الإطلاق، نحن من نجمّله أو نقبّحه في كيفية تناوله وتطبيقه .

لتوضيح المفهوم يجب أولاً أن نميّز بين الجندر والجنس، فهما ليسا مترادفين كما يختلط على الكثيرين، وإنما هما متقابلان ويكمل كل منهما الآخر؛ فالجنس وهو النوع البيولوجي يشير الى الفرق بين الجنسين (بيولوجياً) : ذكر أو أنثى، في حين يشير الجندر الى الفرق بين الجنسين (اجتماعياً) : امرأة ورجل، ربما يتساءل القارىء هنا وما الفرق؟؟  أجيب أن الفرق كبير جداً، فليس جميع الذكور رجال وليس جميع الإناث نساء، فنحن نولد ذكوراً وإناثاً ثم نتعلم كيف نصبح رجالاً ونساءً. ونحن لا نولد مع مفهوم الجندر، وهو شيء لا نملكه أساساً، وإنما هو كل ما نفعله ونؤدّيه. إذن الجندر هنا ليس (الجنس الثالث) كما يدّعي ويزعم البعض خصوصاً جماعة حافظ مش فاهم !!

من الضروري أن نتعامل مع هذا المفهوم من منظور الأبعاد الاجتماعية والثقافية للمجتمع العربي، فالمجتمع قائم على الجنسين لا على جنس واحد فقط من حيث المكتسبات والحقوق والامتيازات كما يحدث في المجتمع الذكوري. وتبرز أهمية العمل على تضمين مفهوم الجندر في حياتنا اليومية ومأسسته في مؤسساتنا هو لخلق مجتمع متوازن قائم على الاختلاف، ثم توظيف هذا الاختلاف بين الجنسين لتحقيق (التكامل والتكميل) بينهما وليس للمفاضلة أبداً.

فلا المرأة أفضل من الرجل ولا الرجل أفضل من المرأة؛ فقد يكون هناك فروق بين النساء أنفسهنّ تفوق الفروق بينهنّ وبين الرجال، وكذلك الأمر بالنسبة للفروق بين الرجال أنفسهم. المفاضلة الإنسانية من المفروض أن تكون من باب الفروق الفردية المرتبطة بالمؤهلات والإنجازات وسمات الشخصية لا على أساس الجنس، لذلك من الطبيعي لا بل من البديهي أن يكون هناك مساواة في القوانين وعدالة في الأعراف والحياة اليومية.

 لكل شيء في الدنيا وجهتي نظر لا واحدة أبداً؛ إحداها أنثوية وأخرى ذكورية، فمثلاً من حق المرأة أن تشارك زوجها في قرارت الأسرة البسيطة والمصيرية على حدّ سواء، فأساس نجاح العلاقة الزوجية هو (التشاركية) في كل شيء لا في المصروف والدخل فقط!!

فالزوجة ليست جارية، ولا تقتصر وظيفتها على الطبخ والتنظيف فقط، وإنما هي شريكة للرجل في كل ما يتعلق بمؤسسة الزواج ورعاية الأطفال، وفي المقابل، هذا لا يعني التشدّد أو التطرّف كما ينادي (البعض) بتحقيق الذات على حساب الحياة الزوجية وتربية الأطفال بطريقة صحية وبنفسية مرتاحة !! التربية يا جماعة وظيفة هامة جداً لا تقل أهمية على الإطلاق من العمل في أي مجال؛ فالمرأة التي تنجح في الحفاظ على صحة أسرتها النفسية والاجتماعية هي من تُرفع لها القبعة احتراماً وإجلالاً حتى لو لم تكن عاملة، فنجاح المؤسسات الصغيرة يقود حتماً الى رفعة الوطن واستقراره؛ فما هو الوطن الاّ بمواطنيه الأصحاء !!

وفي مثال آخر ، يعني الجندر أيضاً أن من حق المرأة أن تنظر في قضيتها في المحاكم امرأة مثلها تشعر بمشاعرها وتتفهم احتياجاتها فتحكم لها بعدالة، ومن حق الرجل كذلك أن يكون الحكم رجل مثله يستطيع أن يقدر احتياجاته، لذلك من الأفضل والأضمن لتحقيق العدالة أن يحكم في أي قضية تخص الجنسين (قاضي وقاضية) معاً، حتى يكون رأيهما تكميلياً لا أحادياً بعقل جنس واحد فقط على حساب حقوق الجنس الآخر. فالقاضي الرجل لن يشعر بمشاعر المرأة عندما يحكم بحرمانها من أطفالها أو من حقوق ميراثها عند توافر البينات القانونية وإن كانت مجحفة، والقاضية المرأة لن تشعر بطريقة الرجل عندما تحكم بعدم مشاهدة أطفاله الاّ بأوقات محددة ومن خلال المحكمة فقط لأنهم في حضانة الأم.

ومن حق المرأة كذلك أن تعالجها طبيبة تتفهم طبيعتها ولا تحكم عليها كما قد يحكم الطبيب الرجل عندما تواجهها مشكلة نفسية أو زوجية وغيرها، طبعاً الأمر ذاته ينسحب على الرجل. ومن حق المرأة أيضاً أن تتناول أدوية تم اختبارها على بيولوجيا النساء لا الرجال فقط كما كان معهوداً، فالمرأة هي الجنس الثاني وليست الصف الثاني!!

ومن حق الطلبة من الجنسين أن يتلقوا التعليم في المناهج من وجهة نظر الجنسين معاً، فكل له  فكره وطريقته بشكل مختلف، والطريقة أحادية القطب لن تنجح أبداً، وسنعيد إنتاج ذات الفكر بذات الطريقة الى ما لا نهاية، وتدور الأجيال كالحلقات الدائرية المفرغة التي تعيد إنتاج نفسها باستمرار وبذات العقلية. فما تستغربوا ليش الجيل الحالي ( متحضّر ) من الخارج ومتطور تكنولوجياً، وفكره ( متحجّر ) من الداخل كصورة غير متناغمة الألوان.

كثيرة هي الأمثلة التي توضح لنا أهمية وجود ( الجندرين ) معاً في كل المواقع والمؤسسات لا يسعني إدراجها جميعاً هنا في هذا المقال، ولكن بإمكان القارىء القياس هنا ما لم نقله على منوال ما قلناه أعلاه، قد يبدو ما ذُكر أعلاه قاسياً، ربما، ولكن هكذا هي الحقيقة  فلنعترف بوجودها ولنواجهها بحكمة وتعقّل..

وحتى نتمكن من تحقيق العدالة وما يصبو اليه مفهوم الجندر فعلاً وجب علينا جميعاً  أن نأخذ وجهة نظر المرأة  بعين الاعتبار جنباً الى جنب مع الرجل  عند التحليل والتفسير والتأويل في كل الأمكنة والأزمنة، هذا فقط ما يقود الى بلورة الوعي بالذات والوعي بالآخر وإن كان مختلفاً.

 

هذا هو (الجندر  بالعربي ) وهذه هي أهميته وضرورة تغلغله في كافة البنى الاجتماعية، فإذا كان هناك من يقدمه بطريقة خاطئة فالخلل منه أو منها لا بالمفهوم ذاته، لذلك وبناءً على ما سبق فإن توعية المرأة بمعزل عن توعية الرجل بذات الجهد يُعتبر جهود منقوصة مهدورة غير مجدية، وهي كمن يصفق بيد واحدة تماماً. ومن ينظر الى مفهوم الجندر بأنه ناقوس خطر ويرفضه بشكل تام دون فهم غايته وأهميته يقع في فخّ الرفض دون النقد، ويسقط أسيراً للأساطير المجتمعية المكبّلة للرجل بذات الدرجة التي تكبّل المرأة.

فالجندر مفهوم يُعنى بالجنسين بذات الدرجة والأهمية وليس حكراً على جنس دون آخر؛ وهو لا يُحتكر لحقوق المرأة وحدها أو حقوق الرجل وحده، وإنما هو يُعنى (بالأدوار) المناطة اجتماعياً والمعرّفة ثقافياً لكل جنس دون انتقاص من حقوق الجنس الآخر،  ودون الضرر بالمجتمع أو مؤسساته وعلى رأسها الأسرة.

إن الجندر  والعدالة الجندرية لا تعني الدعوة الى أن يكون الجنسان متماثلين أو صورة طبق الأصل، وإنما تعني الدعوة الى إزالة المفاضلة بينهما لأنهما مختلفين بيولوجياً، والأخير سبب لا يبرّر التمييز بينهما في أي مجال ولا في أي حال؛ فلا يولد جنس الذكور متميزاً ومتفوقاً على جنس الإناث، نحن من نجعله كذلك ونصنعه صناعة عندما نميز بينهما من المهد الى اللحد..

في الختام أقول أنه لا يمكن أن ينضج المجتمع وينضح بالعدالة الاّ عندما يتحرر من القيود التي تكبّله، أهمها التحرر من ازدواجية الخطاب، والتعامل مع الإنسان بإنسانيته لا بجنسه، أما التحرر من الأساطير والصورة النمطية والذهنية التقليدية هي ما تقود المجتمع الى الارتقاء فعلاً، عندئذ فقط ننعم بمجتمع متوازن وصحي، ونضمن أجيالاً صحيحة نفسياً ومستقرة ذهنياً ومشبعة وجدانياً وعادلة اجتماعياً في أي موقع يشغلونه لاحقاً، كيف لا وكل إناءٍ بما فيه ينضح...

 

لن ينتهي الحديث في هذا المجال البتّة، فلا بدّ أن يكون لنا كمشة أخرى من هذا الحديث، فدوماً وأبداً للحديث من بقية....دمتم....

 

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner