Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

إلى الضمير الحاضر الغائب!

إلى الضمير الحاضر الغائب!

صباح الخير عليك أيها الضمير في مقرك الدائم في مقبرة العيزرية على ساكنيها جميعا السلام! صباح الخير ونحن نستذكر اليوم عشر سنوات مرت على صباح غيابك الأزلي، ومن يومها حدثت المفارقة ... فقد غاب حضور "ضمير الصحافة الأردنية" ومنذ نفس اللحظة حضر غياب الضمير ذاته!

صباح الخير عليك با والدي الطيب، الذي رحل عنا قبل عشر سنوات مرت بحلوها ومرها، وأمر ما فيها كان غيابك، وأحلى ما فيها كان حضورك.... لا تنظر اليّ تلك النظرة  يا "أبا علي" .... فأنا لم أتعلم منك قدر ما تعلمت قول الصدق ولو " على قطع الرقبة" كما كنت تقول .... نعم كان أحلى ما فيها حضورك .... فقد كنت أراك في كل صحفي أقابله فيعرف أنني ابن الضمير، وكنت ألقاك في كل بيت عزاء زرته من الرمثا للعقبة ومن الغور للإجفور ... فبمجرد أن أعرّف أنني ابن احمد الدباس يهلل من نقوم بزيارتهم ويفرحون مرددين " الله يرحم أبوكم .... ما كان يقطع حدا "!

أشياء كثيرة تغيرت منذ رحيلك، للحقيقة ... كل شيئ قد تغير فعلاً ... حتى قيم المجتمع تغيرت، حتى هذا الوطن العربي الكبير الذي أوهمتنا انه واحد من المحيط الى الخليج قد تغير كثيرا، حتى أن معظم الطغاة الذين ربيتنا على "مقتهم" قد انخلعوا عن كراسيهم، حتى القضية المركزية التي زرعت في عقولنا ان لا نتنازل عن شبر منها قد ذابت في قلب قضايا كثيرة زُرعت في وطننا العربي الكبير ، هل هو كبير حقاً يا والدي الطيب؟!

حتى الصحافة التي احببتها وأعطيتها عمرك تغيرت .... اصبحت " بقاحة" أكثر من كونها صحافة! وأعترف لك يا ضمير الصحافة الاردنية أنني وفي السنوات التي مرت منذ رحيلك مرت علي لحظات حمدت الله فيها على وفاتك قبل ان تشهد كثيرا من أحداثها، فأنا لا أحب ان اراك مشدوها مأخوذا بفظاعة المشهد!

هل كان من الضروري فعلاً أن تكون ضميراً حيّاً لا يموت ؟ ألم يكن بإمكانك أن "تمشيها" قليلاً ؟ فهذه الخاصية بالذات هي ما اتعبتنا من بعدك ... بالفعل، فأحيانا حين أكتب مقالي فأدوزنه وأرتبه وأخفف من وطأة سطوره تلوح لي صورتك ، وتحتها لقبك " الضمير " فاستحي من نفسي وأعود لنهجك الذي ربيتنا عليه " ما بفك الرقبة الا اللي ركّبها" .... واستعيد مقولتك الشهيرة التي أصبحت دستوري منذ رحيلك " الرزق على الله والسمعة عند عباد الله ".

في صباح السبت الماضي اشتقت اليك كثيرا، فشطرت وجهي الى دارة حبيبك " ينال بيك " ، وجدتك هناك على شرفته تطل على حديقته الغنّاء، يومها حدّث مجالسيه عنك، شعرت أن الدنيا لا تسعني وهو يستذكر استقامتك التي أطالت بين الناس قامتك، وهو يستذكر مهنيتك التي لا أظنّ يوازيها اي مهنية أخرى بشهادة أقرانك ..... استذكر اليوم صبرك على كثير من أذى ، واجتنابك لكثير من بغضاء ، ومحبتك للكل بلا استثناء ولا بخل بالمشاعر ....

استذكر اليوم قهوتك الصباحية التي كنت تحب ان تشربها مع عمنا عامل النظافة في الحي، كنت تحتسي معه قهوتك الصباحية كل يوم لسنوات وتبادله الحديث وكأنه صديقك الحميم.... واستذكرت "نصر" الذي أحببته ... ذلك الشاب الذي هزّني يوم جنازتك وأنساني الأعداد الغفيرة التي شاركت بالجنازة ... فقد جاء " نصر " من بين الوديان راجلاً تحت المطر وأسرّ لي أنه بموتك فقد أباه تماما كما فقدنا أنا ومحمد أبانا .... كان نصر هو الوحيد الذي هزني وأبكاني وجعلني أسرح وهو الذي تعرفتَ عليه وهو سارحٌ بين الوديان فتبنّيته .... يومها سرحت بكلمات نصر وكلما استذكرتها أقول : لله درّك كيف كنت تستطيع نثر كل هذه المحبة!

ولأنك تحب الفرح لا تحب غيره ... أقول لك أننا على العهد ، لا نقول الا الصدق ، ولا نطلب الا الرزق الحلال النظيف،  و اننا اقتنعنا أخيرا بما أفنيت عمرك تحاول اقناعنا فيه : الرزق الذي يأتي نفاقاً و رياء و كذبا و خيانة لا يبقى .... و أن ما يبقى هو سمعة الانسان بأنه شريف عفيف! واسمح لي يا والدي الطيب أن ارفع رأسي كثيرا بقصة نشرتها في هذه الزاوية قبل سنوات نقلاً عن صديقك سليم المعاني قال فيها ((ذات انتخابات لنقابة الصحفيين الأردنيين ترشح المرحوم أحمد الدباس ، كنا في إحدى السهرات فجأة نهض أحمد مستأذنا ... قلنا له : إلى أين ... قال : سأمر على كذا واحد وأخبرهم أن أصواتهم لا تشرفني و لا أريدها ... وسأمسح بهم الارض ان انتخبوني .... هكذا كانت مقاييس الرجال الرجال ... في تلك الانتخابات نجح أحمد الدباس نجاحا ساحقا وحصل على أعلى الأصوات و أطلق عليه عمدتنا " محمد ابو غوش" لقب "ضمير الأمة " ومن يومها أصبحنا ننده عليه " الضمير " حتى طغى على اسمه )) ....

أفبعد هذه القصة قصة تروى أيها الضمير ؟ سلام عليك يوم ولدت ويوم متّ ويوم تبعث مع الصادقين يا أبا علي، وكل عام وأنت عند الله أكرم!

Khaberni Banner