التاريخ : 2012-06-10   الوقت : 12:32 am

استسمحكم عذراً

سهير جرادات

عذرا قرائي الأعزاء ويا من كتبت له قصته ، أو عرضت قضيته في الصحافة المكتوبة خلال سنوات مضت، فقد وضعوا ثقتهم بي وبرسالة الإعلام ، وتوسموا بالصحافة خيرا لمساعدتهم وايجاد حل لمشكلاتهم ومعاناتهم ، أو على الأقل تجنيب غيرهم اشكاليات قد يقعوا بها .

أعتذر منكم .....، ليس لأني قصرت ، أو لأني أعرضت عن طرح قضاياكم ، بل لأنها لم تلاق اهتماما واسعا ، من قبل المسؤولين ، أو أصحاب القرار ، ليس لأن طرحي للموضوع لم يكن ناجحا ، أو أن القضية لا تستحق النشر، لكن الأمر فقط لكون الطرح كان عبر وسائل إعلام محلية ، ممن لا يحسب لها أي حساب ، ولا تؤخذ بعين الإعتبار .

صحيح أن "زمار الحي لا يطرب " ، فما ينشر في الصحافة الخارجية أو وسائل الإعلام الغربية ، يظل صداه واسعا ، ويحدث ضجة ويشغل حيزا كبيرا من اهتمام المسؤولين ، الذين يهابون نقد الصحافة الغربية والمؤسسات الدولية في الغرب، فيخافون من الفضيحة ، ونشر غسيلنا " الوسخ " على الملأ .

لذلك فالمحيطون بأصحاب القرار،لا يهتمون إلا بما يشاع ويتجاوز نطاق المحلية إلى المحيط الخارجي، وتعمى عيونهم ويعلوها غشاوة من القضايا التي تنشر في الإعلام المحلي، ولا يعيرونها اهتماما ، أو يعرضونها على المسؤولين بمختلف مستوياتهم الوظيفية !.

أتوجه بسؤالي بعد كل هذا، إلى أصحاب المعالي والمستشارين ، أو إلى أولئك الذين يخططون للإعلام ، هل من المعقول أنكم لم تجدوا في التمرد الذي قامت به فتيات في مركز الخنساء لرعاية الأحداث في العام 2005 ، ما يستحق لتنبيه صاحب القرار؟؟.

فقد تعرضت تلك الفتيات إلى معاملة سيئة على يد المشرفات، وللضرب والشتم والتحقير وممارسة أساليب مختلفة من التعذيب؛ والشبح ،الذي يكون بتقييد الفتيات من أيديهن وأرجلهن وتعليقهن بالعكس،أو حرمانهن من استخدام دورة المياه ، أو تناول الطعام ،مما أدى بهن إلى تكسير بعض موجودات المركز، وحبس أنفسهن بداخله، بعد إخراج المشرفات إلى خارج السجن، إنها حالة تمرد لم تحدث بتاريخ المملكة ، فبعد فشل وزارة التنمية الاجتماعية من السيطرة على الموقف ، تم الاستعانة بقوات الأمن العام لفض التمرد ، وتوقيف الفتيات المتسببات في النظارة .

ورغم اعتراف الجهة الأمنية بالتمرد ، وتدخلها لفضه ، وبالرغم من اعتراف وزير التنمية آنذاك بما حصل من حالة تمرد من قبل الفتيات ، إلا أنه وبعد خمس ساعات حدث " تدخل حكومي "، وطلب الوزير من الوكالة الرسمية " بترا " ، سحب التحقيق الصحفي عن الشاشة ، ليثبت أن الإعلام الرسمي إعلام حكومة وليس دولة ، ضاربين بعرض الحائط دور الإعلام في توجيه وتنبيه الحكومات إلى مواطن الخلل وضرورة تصويبها .

ورضحت الوكالة للأمر الواقع ، وسحبت التحقيق من نشرتها ، لتفتح بذلك باب التأويلات ، الأمر الذي وضع مصداقيتها ، وقبلها مصداقيتي كصحافية على المحك .

وانهالت المقالات بعدها ، منها يرفض تغول الحكومة على الإعلام الرسمي، ومنها تشكك بمصداقيتنا كوكالة وطنية ، حتى أن التلفزيون الأردني خصص حلقة لمدة ساعة كاملة "للدعاء علي " واستنكار وتكذيب ما جاء في التحقيق ، الذي سحب بقرار حكومى في حكومة كان يترأسها من أصبح فيما بعد رئيسا للمركز الوطني لحقوق الإنسان !.

ولأني لا استسلم ، ولا أسمح لأحد أن يشكك بمصداقيتي ومؤسستي الصحفية التي أعتز بها ، ثبت بعد 14 يوما صحة ما كتبت، من خلال اعتراف أمين عام وزارة التنمية الاجتماعية بما حدث،حيث تم توجيه إنذارات للمشرفات ، ونقل مديرة المركز ، إضافة إلى نقل الفتيات إلى مركز آخر أكبر يتم فيه الفصل بينهن في المضاجع ، يوفر الأمان لمن يلجأن للمركز للحماية من ظلم زوج الأم أو زوجة الأب ، حيث كان يتم وضعهن في مكان واحد مخصص للنوم مع "بنات الليل" ، وكأن المقصود تحويل الشريفات إلى" بنات للهوى " !.

ولان المشكلة لم تحل بشكل جذري ، تكرر الأمر بعد عام بالضبط، وعادت أعمال التمرد للفتيات ، وكتبت مرة أخرى ؛ لكن لا حياة لمن تنادي !!، ومن وقتها وأنا أطلب زيارة المركز، لكن لا استجابة .

نعم استميحكم عذرا أيها الأعزاء ، واعتذر أيضا من موظفي مكب الأكيدر الذين يعانون من أمراض صحية تمثلت بظهور حالات من التهاب الكبد الوبائي بينهم ، إضافة إلى أمراض جلدية وتنفسية ونفسية ، تسببت بها كوارث بيئية، ورغم نشر تحقيقي المتعلق بذلك، لم تحرك الحكومة ساكنا إلى أن تم الاتفاق مع الموظفين على تنفيذ اعتصام ، أدركت الحكومة أن الأمر تعدى حدوده ، وبعد اتصالي مع وزير البلديات آنذاك توجه إلى مكان مكب الاكيدر، حيث أغلقت سيارات النفايات الشارع الرئيسي المؤدي إلى المكب ، ليقرر بعدها منح الموظفين علاوة " ترضية " 100 دينار" لمرة واحدة " ، وقطعت الحكومة وعدا بشمولهم بعلاوات " خطورة المهنة " ، كونهم لا يتمتعون بهذه الميزة " تخيلوا " !.إلا أن حظهم العاثر كان برحيل الحكومة ورحيل ما كانوا به يوعدون ؟ وظلت الأمراض والروائح على حالها ، وتم " تفشيل "، الصحافة التي وضعت يدها على المشكلة ،ولم تصل إلى الحلول؟؟ .

وعذرا كذلك من أصحاب قضايا " فحص العذرية " ، بعد الكشف عن زمرة ليست بقليلة في الأردن ، تلجأ إلى إجراء فحص العذرية لزوجاتهم ، لعجزهم ، أو لإخفاء ضعفهم ، أو لجهلهم بما يحدث في ليلة الزفاف ، وتبين أن هناك ما لا يقل عن تعرض 200 فتاة لهذا الفحص في المملكة سنويا ، والمصيبة أن هذا الفحص يُجرى بعلم الحكومة، وداخل المركز الوطني للطب الشرعي، علما بأن الفحص محرم شرعا، ولا يجرى إلا بإذن الضابطة العدلية وهذا لا يحدث " إلا نادرا "، ورغم ذلك لم يصدر أي قرار من وزارة الصحة لمنع إجراء هذا الفحص ، وما زال يحدث داخل أسوار الطب الشرعي وبعلم أهل العروسين ، وبمباركة حكومية.

ولم يتبه المسؤولون إلى قضايا " المخدرات "، بعد نشر سلسلة من التحقيقيات عن اوضاع المتعاطين ومشكلاتهم ، وبقصور التشريعات التي اعترف بها أصحاب القرار، حيث تقضي المحكمة بعقوبة تتساهل فيها مع المروج وتشددها على المتعاطي ، ونحن نعلم بأنه طالما يوجد مروج يعني ذلك استمرار التعاطي، الذي يتسبب به المروج للإيقاع بضحيته ، ورغم ذلك لم تحرك الحكومة ساكنا وما تزال المشكلة قائمة ، ولم تعدل القوانين ، التي ما زالت حبيسة الأدراج ....

ولن أغفل عن تحقيق أجريه حول " سفاح المحارم "، والذي انتقد عدم وجود تشريع يمنع عودة الجاني وفي الغالب يكون " الأب أو الأخ " من العيش تحت سقف واحد مع المجني عليها ، التي يمكن أن تكون الأخت أو الابنة ، ليعود احتمال الاعتداء على الضحية مرة أخرى ، ورغم خطورة هذا التشريع الذي عرضته الصحافة المحلية ، إلا أن الحكومة لم تحرك ساكنا .

واعتذر من ذوي المشكلات المستعصية سواء المرضية أو أصحاب الإعاقات أو من بعض ضحايا تفجيرات عمان، ممن لم يتلقوا الرعاية اللازمة ، واضطروا إلى بيع ممتلكاتهم لينفقوا على علاجهم أو التكيف مع وضعهم الجديد ، ورغم ذلك لم يتلقوا المساعدة المطلوبة ، رغم أن غيرهم اغدق عليهم بسخاء .

وعذرا من أصحاب الأمراض ، الذين تم تقديم جزء من المال لهم بعد عرض قضيتهم في الصحافة ، إلا أن ما قُدم لهم لا يكفي ثمن العلاج أو الجهاز الطبي الذي يعيش عليه المريض ، مثل الطفل " بهجت " الذي يلازمه جهاز التنفس طوال عمره ، إلا أن ما قدم له ثلث المبلغ ، وكان على ذويه تدبير ما تبقى من مال ، رغم أن الأب يعمل بوظيفة متواضعة ولا يوجد لديه أية أملاك!.

وعذرا من تلك المسنة التي كتبت قضيتها ، حيث كانت تتعرض للضرب في أحد دور رعاية المسنين ، هذه المسنه التي لم يرأف لها أحد ، ولم يقدم قلمي الصحفي لها الحماية ، ولم يرد لها كرامتها المسلوبة .

تلك غيض من فيض القضايا التي طرحتها ، أو طرحها غيري من الزملاء الصحفيين الذين انتظروا تصويب الأوضاع ، لكن للأسف كان لإهمال المعنيين القدرة في تسبب حالة من القهر بين الصحفيين لعدم مقدرتهم على أحداث التغيير المرجو من التحقيقات أو التقارير الصحافية التي تناولوا فيها المشاكل التي يعاني منها أبناء المجتمع الأردني ، لأنها لم تنشر عبر وسائل الإعلام الأجنبية ، لتأخذ الرواج الذي تستحقه خارجيا ، قبل أن ينتقل الاهتمام بها إلى الداخل ، والتنبه إلى ما قدمه الزملاء على مدى سنوات مسيرتهم الإعلامية .

واحسرتاه على صحافتنا المحلية واعلامنا المغيب ، الذي اهين وكأن المعنيين يريدون حصر دوره في التطبيل والتزمير، فهمومنا الكثيرة أهملت ولم تلق أي ردود أفعال ايجابية، لكونها نشرت في وسائل الإعلام المحلية أو الرسمية ، وهذا دليل على الإستهانة بمقدورات الإعلام المحلي وعدم احترام القائمين عليه ، وهو تقليد اتبعه وسار عليه مسؤولينا للأسف ، الذين يتعمدون تخصيص وكالات الانباء الاجنبية أهم الأخبار والأحداث التي تجرى على الساحة المحلية ، منها على سبيل المثال ، تغيير ولاية الحكم أو تعديل وزاري أو تغيير الحكومات أو حتى وفاة مليكنا المحبوب رحمة الله عليه ، والتي لم يكن لإعلامنا المحلي أي دور بها .

بعد كل هذه الاعتذارات... آن لنا نحمل المسؤولين أمانة إعادة الاحترام لإعلامنا الرسمي والمحلي ، وقبلها إعادة الهيبة له ، ويكفي استخفافا بنا ، والاستهتار بقدرات الإعلاميين الأردنيين الذين نحترمهم فور انتقال عملهم الى إحدى المؤسسات أو الوكالات الأجنبية .

عذرا منكم ، لأني طرحت قضاياكم في وسائل الإعلام المحلية ، وكان علي توجيهكم بطرحها في وكالات ووسائل إعلام غربية "أجنبية " ، "فكل فرنجي برنجي " ، وإن اضطررنا إلى نشر غسيلنا "الوسخ" امام الغرب .

أستسمح منكم ، وأعلن انسحابي عن طرح قضاياكم في الإعلام المحلي ، لأنها لن تأخذ صدى ولن تلقى أي استجابة أو نظرة بعين الاعتبار ، ولكنني أرفض أن أنشر غسيلنا خارج أسوار بلدي ، حتى لا نصبح سيرة على كل لسان ، وكانت تلك الاعتذارات للفت نظر المحيطين باصحاب القرار الذين على كاهلم تقع مسؤولية سمعة الوطن وأبنائه الشرفاء الذين وضعوا ثقتهم في اعلامنا المحلي ..لذلك أعلن انسحابي .

Jaradat63@yahoo.com