
خرج من بيته مكفهراً عابساً ، فقد بدأت زوجته اليوم بوابل من الطلبات معززة إياها ببعض المنغصات اليومية عن أثاث البيت المطلوب تغيره ومصاريف مدرسة الولد ، في مدخل العمارة فوجئ بمحصل الكهرباء يدس في يده الفاتورة الشهرية ، قبض عليها ووضعها في المنطقة الأمنة في محفظته أعلي الألية .
مشى في الشارع مطاطئ الرأس عاقد الحجبين ساهم الخيال ، رأسه تنوء بما تحمله من شحنات كهربائية تأخذ شكل طلبات يومية ...
مشى بضع خطوات وفجأة وقف فقد تذكر أن سيارة شرطة الوافدين قابعة في نهاية الشارع مرتكزة علي أحدى الزوايا ، أستدار ليغير طريقه ، لحين أن يرضي عنه صاحب العمل ويجدد تصريحه ، مشي وهو يفكر في سبب ضيقه وعبوسه وسبب هذا الفراغ الذي يتوغل في دهاليز عقله ، ففاتورة الكهرباء تأتي كل شهر وزوجته تعيش معه منذ عشرين عاماً ، وقد حصن نفسه ضد تنغيصتها اليومية وصاحب العمل دائماً يؤخر أستخراج تصريح العمل له ، فما هو سبب ضيقه أذن ، لم يجد أجابة سوى أن رئيس تحرير أحدى الجرائد التى يكتب بها قد أوقفه عن الكتابة ، لا لشئ سوى أنه مغترب ولم يتعلم بعد أصول الضبط الذاتى ، هنا فقط شعر بالسعادة وأبتسم أبتسامة خفيفة بعد أن مني نفسه بالمواقع الألكترونية فهي أعلي سقفاً وأكثر تفاعلية ، فالردود علي مقالاته تشعره دائماً أنه بنى أدم من لحم ودم وأن هناك من يرفض ما يكتبه وكذلك من يؤيد مايطرحه ، بعد وصوله إلي سبب ضيقه شعر بأنتعاش وتنبه إلي هواء الصباح المنعش وأسراب الفراشات والتلميذات والموظفات الساعيات إلي يومهن الرائع .
أستمر بالمشي في الشوارع الجانبية ، متجنباً سيارة الوافدين ، وأثناء صعوده أحدى المرتفعات وجد قشرة موز علي حافة الشارع ، تخطاها ومشى خطوة ... خطوتين ، وخرج عليه ضميره بشريط عن تداعيات مرور رجل مسن أو أمرأة حامل أو طفل أغر فوق تلك القشرة ، وأن واجبه يحتم عليه أماطة الأذى عن الطريق هنا رجع بسرعة وأنحنى حاملاً قشرة الموز بأطراف أصابعه ،خطوتين وسقطت من يده ، تأفف ولعنها وأنحنى وقذف بها في تجاويف الرصيف ، مشي وفي أول سيارة سرفيس القي بنفسه في جوفها ، جلس بجوار رجل مسن لايرفع عينه عن جريدة يومية مهترءة ، جرب أن يلقي نظرة علي الجريدة وما يقرأه الرجل تلصص علي العناوين ، بهت شحب أمتقع لونه فالعناوين تأخذ شكل قشرة الموز دقق النظر أكثر مسح نظارته بأطراف كمه ، نعم فالعناوين صفراء ونقاطها تشبه نقاط قشرة الموز ، أسرائيل تهدد بقصف المفاعل النووى الأيرانى ، الحروب القادمة حروب مياه ، ملف التوريث في مصر في سبيله إلي النجاح ، أبو الليف يصرح أنا المطرب الأول في الوطن العربي ، نجوى كرم تعلن لن أغنى باللهجة المصرية ، أنخفاض نصيب الفرد العربي من الدخل القومي ،أشاح بوجهه عن قشور الموز التى تناثرت علي الصفحة الأولي من الجريدة ، فقد تيقن أن قشرة الموز التى حملها لن تكون الأولي ولا الأخيرة ، فنحن نعيش ونتعايش علي تلال من قشر الموز ، نزل من السرفيس أخرج قدمه اليمنى وما أن بدأ بأخراج اليسرى حتى أنزلق علي الأرض فقد نزلت قدمه علي قشرة موز ، تدحرج وتكوم في الجانب الأخر من الشارع بجانب سيارة ، فتح عينيه فأكتشف أنها سيارة الوافدين ، غمض عينيه شعر بدوار وأغماء وغاب عن الوعي ، حملته سيارة الوافدين لأقرب مستشفي أفاق علي صوت أحد الضباط وهو يقول له حمدلله علي السلامة ، فما كان منه الا أن قال والله العظيم يا باشا صاحب العمل في طريقه إلي وزارة العمل لأستخراج التصريح لي ، ضحك الضابط ضحكة مدوية وقال له أحمدالله أن قشرة الموز كانت بلدية ، معك شهر لتراجعنا ومعك تصريح العمل ، وغاب في ممرات المستشفي وهو يودعه بأبتسامة حانية

