ماذا يسجلون عنا؟
ديمة طارق طهبوب

 الحمد لله الذي أعطى الإنسان حريته لينطلق في العمل لعمارة الأرض، وجعل من رقابته سبحانه وتعالى ميزان الإقدام أو الإحجام، وجعل له واعظا من نفسه اللوامة التي تأمره بالخير وتنهاه عن الشر، وحدد إحصاء أعماله حصرا بملكين عن اليمين والشمال، يكتبان الحسنات، ويؤجلان كتابة السيئات، لعل العبد يستغفر ويرجع، وجعل له من إخوته وأصفيائه ناصحين بقول لين، وبعيدا عن أعين الناس.

ولقد نهى القرآن صراحة عن التجسس في قوله تعالى: "ولا تجسسوا"، وغلظت السنة في عاقبة الجواسيس وتتبع المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتتبع عورات المسلمين يتتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته". وقد أسقط عمر بن الخطاب الحد عن رجل عرف عن خطيئته بالتجسس، وقد سمعه يتغنى في بيته، فتسوَّرَ عليه، فوجد عنده امرأة وزقا من خمر، فقال: أي عدو الله ظننت أن الله يسترك وأنت على معصية، فقال لا تعجل يا أمير المؤمنين، إن كنت أخطأت في واحدة، فقد أخطأت أنت في ثلاث. قال الله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا) وقد تجسست، وقال: (وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) وقد تسوَّرت، وقال: (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا) وما سلمت. فقال: هل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم، فعفا عنه وخرج.

وقد حاول القائمون على أعمال التجسس تخفيف وطأة النفور من صورة الجواسيس، فأعطوهم ألقابا مثل مخبر ومحقق وغيرها، ومكَّنوهم من الذوبان بين الناس بلباس مدني لا يفصح عن هويتهم، بل إن بعض الدول حولت شعوبها مستغلة فقرهم وخوفهم إلى جواسيس على بعضهم بعضا، فالأخ لا يأمن أخاه، والابن يفشي سر أبيه، والجار يغدر بجاره، وصارت المجتمعات متصارعة، وسهل حكمها بسياسة فرِّقْ تَسُدْ.

ولقد سهلت وسائل الاتصالات عمل الجواسيس، فالإنسان أصبح كتابا مفتوحا يمكن معرفة أدق خصوصياته من أول السلسلة الوراثية DNA وبصمات الأصابع وزمرة الدم وغيرها، ناهيك عن المعلومات التي نوفرها طواعية للشبكة العنكبوتية والمؤسسات الاقتصادية، والتي تستخدم جميعا في إحكام الطوق الأمني على رقاب البشر، وتلفيق التهم أحيانا، وإبقاء بعضهم في دائرة الشك والريبة.

وليس من معايير واضحة فيمن تجب ملاحقته لكونه يشكل خطرا واضحا على أمن الدولة والمواطنين، ومن يُنظر إليه أنه خطر لمجرد أنه تكلم أو عمل في السياسة أو المعارضة، خصوصا في بلادنا العربية، حيث يجب أن يبقى المواطن مربوطا في ساقية العمل وتأمين لقمة العيش كالثور لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم.

كما ساهمت وسائل الإعلام الهوليودية بإضفاء الطرافة على صورة المخبر والمحقق، بشخصيات من أمثال المفتش كولومبو وشارلوك هولمز، والمفتش غاجيت وكونان للأطفال، وهؤلاء لا بأس بهم إن كان الأمر في نطاق كشف الجرائم، ولكن الواقع ليس طريفا، بل مشحونا بالتضييق والاستهداف بكل أشكاله، وملاحقة مواطنين صالحين يعملون لخير بلادهم وأمتهم.

أصبحنا نرى المخبرين حضورا أساسيا في المحاضرات والمسيرات والأنشطة الشعبية مزودين بأجهزة الخلوي والكاميرات، وأحيانا بالدفاتر والأقلام لتسجيل كل همسة وحركة لمواطن ينادي بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لم يعودوا يتخفون، بل تجدهم أمامك وجها لوجه يسجلون أوصافك وكلامك، ولا ينجو من ذلك شيخ كبير، ولا طفل صغير، ولا شاب متحمس، فالكل في الذنب سواء حسبما يرى النظام الرسمي في الدولة.

ولا ندري أي مستقبل لدولة تخاف من أطفالها، وأي ماض لأمة لا توقر شيوخها وتستفيد من خبراتهم، وأي حاضر لشعب ترى حكومته الشباب كمصدر خطر دائم يجب السيطرة عليه وكبح جماحه.

ومازال بعض العامة يخاف من ضوء فلاش هنا أوهناك، أو شخص يسجل معلومات في دفتر، ولكن على من أراد دخول دائرة العمل والإصلاح العام ألا يجعل في قلبه إلا الله، ومن ثم حبه لوطنه وأهل بلده، ويجب أن يكون خوفه الوحيد من نيته أهي خالصة لوجه الله أم غير ذلك، وما عدا ذلك فلا يستحق الالتفات إليه.

لقد قالها مرة شيخ القدس والمسجد الأقصى رائد صلاح ونكررها من وراءه:

لا نخاف إلا من الله

لا نعمل حسابا إلا لله

لا نخشى إلا الله
 
السبيل
2010/7/31
1
كلام جميل جدا في زمن بذيء جدا ...
أكثر الله من امثالك ايتها الكاتبة و جعل الله هذه التذكرة في ميزان حسناتك يوم القيامة .....
الأموّر
2010/7/31
2
جزاك الله كل الخير يا ديمة ووفقك لما هو خير لهذه الامة.
الاسلام هو الحل
2010/8/2
الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'خبرني ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشرأي تعليق يتضمن اساءة أوخروجاعن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .