لنتحدث بصراحة...
لم يكن نظام الحكم في الأردن، بوضعه الراهن، خيارا إسرائيليا نهائيا، بل كان على الدوام ملفا مفتوحا في العقل الإسرائيلي ومراكزه البحثية.
وتقييم نتاج تلك المراكز، وربطه بإحكام مع ما يصرح به سياسيون إسرائيليون يفضي إلى أن نظامنا السياسي، بما فيه نظام الحكم، خيار يمكن الاستغناء عنه واستبداله لحظة الاستحقاق.
لذلك كان الإسرائيليون باستمرار في مواجهة السؤال الجوهري: هل من مصلحة إسرائيل زوال الحكم في الأردن أم الإبقاء عليه. سؤال يطرحونه كلما نظروا في خياراتهم حيال ملف "السلام"، وكيفية تعاطيهم مع تفاعلاته، وبتركيز أكثر عند البحث في الخلاص من ملف اللاجيئن تحديدا.
في الأردن، قابلنا التفكير الإسرائيلي- الأميركي، بالإنكار وأمعنّا في ممارسته مرارا كلما خرج مسؤول إسرائيلي أو أميركي متحدثا عن الوطن البديل أو إقامة الدولة الفلسطينية في الأردن.
وهو إنكار، وفق التقديرات، لا تسنده أسس سياسية حقيقية ومتينة، لذلك كان إنكار مستويات القرار الأردني للمؤامرة الإسرائيلية- الإميركية، إما إنكارا جامدا، وأحيانا إنكارا مع تلويح بأن للدولة جيش قادر على حمايتها مما يحاك لها.
وبقي الإنكار سمة سياستنا الداخلية والخارجية، إلى أن جاء جون كيري ودانيال إينوي الديموقراطيان في الكونجرس الأميركي بلسان إسرائيلي أصيل ليتحدثا مع مسوؤلينا عن انتخابات نيابية على أساس التمثيل الديموجرافي.
وثمة يقين يتشكل في غير مستوى سياسي أردني، أن ما نطلق به (كيري وإينوي) يمثل فهما أميركيا بأن النظام السياسي الأردني، تحت ضغط واقعه السياسي الراهن، يمكن أن يقبل تسويات سياسية إقليمية مقابل ضمان استمراره وحمايته.
وإذا ما فشل الإسرائيليون والأميركيون في انتزاع هذه التسوية من النظام السياسي الأردني، فربما لا يمكن منعهم من الانتقال إلى خطة بديله أساسها الضغط على النظام بقوة ومساومته على أمرين إما المساهمة في إزاحته أو الإبقاء عليه في سياق القبول بالصيغة التي تفرض عليه لتسوية القضية الفلسطينية.
من غير إغفال خيار آخر، وقريب من السابق، قائم في ذهن الإدارتين الأميركية والإسرائيلية بوضع النظام أمام خيارين لا ثالث لهما إما الإزاحة التامة، أو القبول بالوصفة السحرية لإنهاء المسألة الوطنية الجدلية، "الحقوق الكاملة والحقوق المنقوصة"، أي "الوطن البديل" في إطار ملكية دستورية بمفهومها الواسع.
وهنا لا بد من سؤال يؤسس للفهم: لماذا أصرت الإدارة الأميركية على أن يرافق رئيس الوزراء عون الخصاونة الملك في زيارته الأخيرة لواشنطن.. ولماذا أثنى الرئيس أوباما على الخصاونة وخطته الإصلاحية..؟!
الأردن أسس لهكذا منحى عندما قبل تضمين معاهدة سلام وادي عربة جملة "المساعدة على توطينهم" بكل ما تحمله من غموض يمكن تل أبيب من تفسيره بما يتفق مع مصالحها، وكذلك ما ورد في الأجندة الوطنية من إشارة، غير ملتبسة، تطلب بناء قانون انتخاب على أساس التمثيل السكاني.
والإجماع الشعبي المتحقق، أردنيا وفلسطينيا، على رفض الوطن البديل والتوطين، يجعل من الظلم تحميلهم وزر الجدل الدائر، فلا الفلسطيني يقبل بديلا عن فلسطين ولا الأردني يألو جهدا في دعم حق العودة وتثبيت الهوية الفلسطينية..
غير أن إرادة الشعوب تتناقض في كثير من التفاصيل عن إرادة الأنظمة، أردنيا وسلطة وطنية فلسطينية، فالتأسيس القانوني والسياسي يخدم المشروع الإسرائيلي ولا يخدم المشروع الوطني الفلسطيني ولا المشروع الوطني الأردني.
والأردن، شعبا ونظاما، في مأزق متفجر ومتصاعد حيال كيفية التعامل مع ملف التوطين والوطن البديل، أمام الاستثمار الإسرائيلي- الأميركي للأوضاع الوطنية الراهنة ومحاولتهما، عبر واشنطن، توظيف مسار الإصلاح لخدمة مشروع تل أبيب.
إن فحص العديد من دراسات مراكز بحثية مؤثرة في القرار، إسرائيليا وأميركيا، يكشف طبيعة العقل الذي يدير الكيان الاحتلالي فكل ما يطرحه الإسرائيليون في مفاوضاتهم الاستنزافية يستند إلى الأساسيات التالية: حل مشكلة اللاجئين بتوطينهم في معظم الأقطار العربية وإلغاء حق العودة، وتجريد الدولة الفلسطينية المفترضة من السلاح وإجراء تعديلات على حدود 1967، ونشر قوات إسرائيلية محدودة، وتطبيق ترتيبات أمنية، وربما مرابطة قوة مراقبة دولية، وعدم التنازل عن غور الأردن.
من وجهة النظر الإسرائيلية، سيكون المطلوب من الترتيبات الأمنية التي تنفذها الدولة الفلسطينية المفترضة، تلبية ثلاثة شروط، أولها: أن يكون لدى إسرائيل إنذار مبكر ملائم وقدرة ملائمة على القيام بدفاع في العمق في الضفة الغربية أو حتى نقل الحرب إلى الأردن. الثاني: ان تبقى هذه الترتيبات الأمنية مستمرة ما استمرت المخاطر، والأخير: تجنب أي ترتيبات يمكن أن تؤدي إلى احتكاك مع الفلسطينيين.
وعلى رغم رفض الأردن الحديث في العلاقة المستقبلية مع الدولة الفلسطينية المفترضة، إلاّ ان الإسرائيليين لديهم تفصيلات حول مثل هذا الخيار.
فإسرائيل ترى ان الفدرالية أو الكونفدرالية تعني ان تتشكل المملكة الأردنية من الضفة الشرقية ومعظم أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وسيكون الحكم بكامله أردنيا بما فيه الأمن الداخلي والدفاع، وفي المرحلة الأولى يتواجد جيش إسرائيلي على أن تقوم قوات الأمن الداخلي الأردنية بدور أكثر نشاطا في نهاية الأمر.
وترى بعض تلك الدراسات ان تشرف إسرائيل إلى جانب الأردن إشرافا مشتركا على مراقبة نقاط العبور على نهر الأردن، وفيما يتعلق بالمستوطنات اليهودية، فان بعضها سيكون واقعا في منطقة تضمها إسرائيل.
أما المستوطنات الواقعة داخل دولة الوحدة (أيا تكن الصيغة) يتحتم إخلاؤها، لكن من الممكن أن يسمح لها بالبقاء تحت السيادة الأردنية، والاحتفاظ بروابط يمكن الاتفاق عليها بين الأردن وإسرائيل، بما في ذلك درجة كبيرة من نزع السلاح وتعديل الحدود وقوة مراقبة دولية.
وإذا ما ترك الخيار كله لإسرائيل فهي حتما ترغب في أن تكون العلاقة بين الدولة الفلسطينية والأردن على أساس فدرالي وليس كونفدرالي لاعتبارات استراتيجية أهمها سيادة الأردن الكاملة على الدولة المفدرلة.
والسيادة الأردنية، بالفهم الإسرائيلي تعني إما النظام بشكله الحالي مع تعديله وحفظ هوية الدولة الحالية، أو باستبدال الهوية، أو المزاوجة بين هويتين..أي أن خيار الوضع القائم مساو تماما لخيار إقامة الدولة الفلسطينية في الأردن.
وهو خيار درسه بعمق مركز دراسات إسرائيلي افترض أن الدولة فلسطينية ستقام في الأردن، طريقة من اثنتين، أولها: بمساعدة أميركية- إسرائيلية. وآخرها: أن الكثافة السكانية الفلسطينية الكبيرة بعد ربط الضفة وغزة بالأردن ستمكن الفلسطينيين من إطاحة النظام السياسي الأردني، إما بالانتخاب أو الصدام، وإقامة دولتهم..
والمحذور الوحيد الذي ركز عليه المركز البحثي، وهو يقيم فرضيته، تعلق باحتمال نهوض حلم فلسطين التاريخية من سباته.
ربما لذلك تنطوي الفدرالية ذات السيادة الأردنية، بالنسبة لإسرائيل، على مخاطر أمنية أقل، إذ ستتكىء تل أبيب على عمان في حفظ الأمن، وبوصف الضفة الغربية جزءا صغيرا من الفدرالية سيكون من السهل على الأردن تقبل نزع كامل للسلاح وعدم السماح بدخول جيوش عربية إلى الأراضي الأردنية دون موافقة إسرائيلية مسبقة.
أمام هذا النوع من التفكير الإسرائيلي وتفاصيله التي يصعب الإحاطة بها، فالأردن، بكل مكوناته دون استثناء، لا بد أن يجد نفسه مدفوعا إلى تحديد خياراته لمواجهة الاستحقاقات (...) خصوصا إذا ما أبدع (حلفاؤه) مقاربات تتناقض مع مصالحه الوطنية.