خاص بخبرني:
اذا كان عضو الكونغرس الاميركي بول فندلي قد دفع ثمن كلامه خسارة مقعده في الكونغرس بعد جلوسه ثلاثين عاما عليه , فإن الواقع الاردني والواقع العربي لن يكتفي بهذا القدر من الثمن لمن يجرؤ على الكلام , او على إنتقاد اللحظة السياسية الراهنة , وبشكل منع الكثيرين من التجرؤ على الكلام او حتى اصدار كتاب بذلك كما فعل بول فندلي في كتابه الذي حمل نفس العنوان .
مخالفة ما ينطق به النشطاء او احزاب الربيع العربي المتجددين او الجدد , يخرج قائله من الملّة , ويضعه في خانة الآثمين , حتى لو كان ما يقوله الفرد مطابقا لقول الحزب او النشطاء قبل الربيع ,
ودون مبالغة فإن الربيع العربي بات موسما للغسل من الماضي , عبر الاغتسال في جداول الربيع العربي المنسابة من الدوحة الى اخر قطرة دم من شهداء التغيير العرب .
ثمة من يعيد تجديد مواقفه بكهنوتية غريبة مع استمراره في نفس المربع السابق , لكنه كان سبّاقا في الوصول الى ساحة المسجد الحسيني , ومنحه هذا السبق فرصة كي يطرح نفسه نموذجا اصلاحيا وتقدميا مقبولا لقيادة التظاهرات وتشكيل التجمعات والجبهات وحصد المريدين الذين لم يتكلف احدهم عناء البحث في سيرته المهنية والعملية ولا في نشاطاته الحالية وكيف يستطيع الفصل او الوصل تبعا لمقتضى الربح المالي .
كما كان الربيع فرصة لإغماضة عيون المريدين والاتباع عن التناقض السياسي الهائل الذي تقوم به الجماعات الاسلاموية , تحديدا على المسار الاردني , فمن حمل الجنسية الاردنية بعد عام 1988 اثم شرعا , دون ان تعلن هذه الجهة موقفها من فك الارتباط تبعا لذلك , فكيف يستقيم الحال بين الإثم للافراد على قبولهم الجنسية الاردنية او جنسية الحشد والرباط والحسنات للحزب والجماعة على رفضها قرار فك الارتباط .
ولم تقل لنا تلك الجهة ان كان الموقف مسحوبا على كل فلسطيني يحمل جنسية غربية او عربية ام ام ان الإثم محصور على من يحمل الجنسية الاردنية فقط لاغير , وبالتالي يجوز من باب التسهيل على العباد حمل الجنسية الامريكية والبريطانية والتدثر بتلك الجنسيات من صقيع الاقطار العربية كما فعل شيوخ وقيادات الجماعات الاسلاموية طوال عقود سابقة .
ضياع العقل الشعبي خطير وسيضيّع مسار الربيع العربي برمته ويقلبه لصالح اعداء الديمقراطية والاصلاح والحداثة , فقصة التقلبات الفكرية والانقلابات في المواقف السياسية لا يمكن ان تبقى مجانية بل وتخضع لتنزيلات هائلة في الوعي الشعبي , الذي بات يصدّق كل مطلق هتاف او سائر في مظاهرة وخاصة اولئك الذين يسيرون في الصف الاول وتتشابك اياديهم من اجل الاصلاح والحرية , واياديهم ملطخة بحقوق العباد والبلاد ولا يغسلها كل صابون نابلس او الصابون الجديد السائل او المسلفن بأناقة .
ما يجري الان من مرحلة ارهاب فكري , من اجل منع الناس من الكلام , ومنعهم بالتالي من تذكير الناس بالمواقف والاراء والمسلكيات السابقة , وكيف تأرجحت المواقف قبل الربيع وبعده , وكيف انتقل اتباع هذا المسؤول او ذاك الرئيس الى نماذج شعبية في الاصلاح والاهم انها قبضت ثمن موقفها مرتين , مرة حين هاجمت الحريات ومرة حينما كانت جزءً من ثقافة الحوار والتحضير للاصلاح الجديد .
وكيف كان كل لباسهم مثل الجاكيت الذي يلبس على وجهين ولا يستغرقهم قلب الوجه سوى دقائق وشعار صاخب ورهان على ذاكرة الناس , وكيف نجحوا فعلا ان يكونوا مثل النسكافيه الحديث ثلاثة في واحد , مع الخارج ومع النقيضين في الداخل .
حالة الارهاب التي يمارسها بعض الدخلاء على النشطاء او المستثمرون الجدد في اوجاع الناس , يجب ان تواجه بصلابة وحزم من اجل ضمان مخرجات الاصلاح ونتاجه , وحتى لا نكون مثل حلوى بين نارين , ملسوعون في مرحلة التخلف وملسوعون في مرحلة الاصلاح , لذا علينا ان نجرؤ على الكلام , حتى لا يكون قادتنا في التخلف هم قادتنا في الاصلاح , لان اصحاب الصوت العالي باتوا يرسمون ملامح القادم ويريدون الكعكة الجديدة لهم بعد ان قلبوا جاكيتهم على مرحلة الاصلاح وسابقا اكلوا اللحم والعظم وتركونا بلا خام او سخام .