قبل عدة أيام انطلق أكبر مهرجان سنوي للموسيقى في البرازيل، مهرجان يضم الملايين من المواطنين والسياح، يرتدي المشاركون فيه ملابس ذات ألوان زاهية صارخة براقة، ويرقصون بخطوات مدروسة رقصة السامبا الملتهبة. يفرحون ويغنون، يتابعون الكرنفالات المتنوعة، ويتنافسون في هز الأرداف وتمايل الأجساد لإتقان هذه الرقصة. مظهر مبهج بلا شك.
في أوطاننا أيضا" رقصات وخطوات، صيحات وصرخات، تتنوع مرة وتتشابه مرات. رقصات حزينة مليئة بالغموض والغرابة والحدة، رقصات متعبة من بين تصاميمها المضادة خُلقت قواميس عروبتنا. في فلسطين وحدها، يمكنك أن تتعلم عدة رقصات أولها تلك في غزة. إن حاولت الرقص هناك، فلا بد لك أولا" أن تتدرب على خطواتك في ظلام دامس، ظلام حقيقي ناتج عن أزمة حادة في الوقود المُهَرب (وخطين أسفل كلمة مهرب)، ظلام حالك يفوق ظلام قلوب تتجاهل معاناتهم، ظلام أسود يطغى سواده على سواد عالم لا يريد أن يسمع صرخاتهم.
ثاني هذه الرقصات يمكن أن يعلمك إياها أبطال يربطون منذ ساعات الفجر عند المسجد الأقصى. ربما هم قلة في العدد، لكنهم كالبنيان المرصوص، يمنعون بأجسادهم الفانية هجمات الإرهابيين اليهود من اقتحام المسجد وتدنيسه بمساندة الشرطة المحلية. يربضون أمام مسجد يقدسه مليار مسلم، مليار مسلم لم يتعلم من مفردات المقاومة سوى الشجب والإدانة.
دعونا لا ننسى بالطبع رقصات وصيحات أولئك المشاركين في مسيرات تضامن مع الأسير خضر عدنان، الذي تعدى إضرابه عن الطعام ستين يوما"، إضراب يريد أن يسجل به قوة وتصميم وإرادة، حتى وهو مقيد بسلاسل حديدية الى سرير في مستشفى.
وهناك أيضا" رقصات قذرة دنيئة، كتلك التي يتفنن بها عنصريون صهاينة، ليعبروا عن فرحهم بمقتل عشرات الأطفال الفلسطينيين حرقا" في حافلتهم خلال رحلة مدرسية، بعد منع قوات الاحتلال محاولات إنقاذهم.
رقصات الموت هذه لا تقتصر على الدائرة الفلسطينية، حيث العدو معروف غريب مكروه، بل امتدت نحو بلدان عربية آخرها وليس أخيرها سوريا، حيث القصف العنيف يصم الآذان، يعمي البصر والبصيرة، والمناظر القاسية حولت الوطن الى ساحة حرب فيها الشعب هو المستهدف الوحيد، والسلطة تطبق حرفيا" مقولة "أنا ومن ورائي الطوفان".
المضحك المبكي لم يعد يضحك، بل يبكي بشكل متواصل، يثير الرعب في قلوبنا مما هو آت من بين البارجات الإيرانية، وطائرات التجسس الأمريكية.
بينما يرقصون السامبا، نحن نرقص هنا رقصة الموت.