التاريخ : 2012-02-21
الوقت : 04:16 pm

في تطور الدين العام والعجز المالي: للموضوعيين فقط!

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول تطور حجم الدين العام والعجز المالي والأسباب والسياسات التي أسهمت في تضخمهما خلال العقد الماضي. وللأسف فقد كانت معظم التحليلات التي كتبت في هذا الموضوع تأتي من كتاب غير اقتصاديين، أو من كتاب اقتصاديين لا يفقهون أساسيات التحليل، أو يفتقرون إلى الموضوعية في كتاباتهم، أو يريدون الوصول إلى نتائج تخدم وجهات نظر معينة! وقد كانت أبرز السياسات والبرامج التي ألقي عليها اللوم في هذا الإطار تتمثل في سياسات التحرير الاقتصادي وبرنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي! وبعيدا عن كل ذلك، فقد ارتأينا أن نطلع القراء على تطور حجم المديونية العامة والعجز المالي خلال العقد الأخير، مستندين إلى لغة الأرقام، التي نعلم مسبقا أن البعض لا يؤمن بها أو لا يريد الاستناد إليها لأنها ستكشف زيف ما يدعون!

حيث تشير البيانات الرسمية، الصادرة عن وزارة المالية، إلى أن حجم الدين العام قد ارتفع من 6.3 مليار دينار في 2000 إلى 7.5 مليار دينار في عام 2005، وهي السنة التي انتهى فيها برنامج التحول، ليسجل نموا نسبته 19% خلال ستة سنوات، أي بمعدل 3.2% سنويا. أما خلال الفترة 2006-2010، فقد قفز حجم الدين العام بحوالي 56%، ليصل إلى حوالي 12.6 مليار دينار في عام 2010، مقارنة مع ما مقداره 8.1 مليار دينار في عام 2006، أي بمتوسط سنوي نسبته 11.2%. وهذا يؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، على أن التسارع في تضخم حجم المديونية قد جاء في الفترة التي تلت تنفيذ البرنامج المذكور، ولم تكن نتاجا له، علما بأنه لم يتم تمويل أي من مشاريعه من موارد الخزينة الذاتية، كما أصبح معروفا لدى جميع المتابعين المنصفين! ولو أن هذه المشاريع كانت قد نفذت من خلال موارد الخزينة لتوسع حجم العجز المالي والمديونية العامة بحجم تمويل المشاريع الذي قارب على نصف مليار دينار! أما سياسات التحرير الاقتصادي فهي الأخرى بريئة من هذه التهمة لأنها خففت، إلى حد ما، من عبء الدعم على الموازنة العامة وساهمت في استقطاب الاستثمار ورفد الخزينة بالمزيد من المصادر، على شكل ضرائب أو عوائد لما تم خصخصته من المؤسسات العامة، أو وقف الدعم الذي كانت توفره الخزينة لبعض تلك المؤسسات.

ومن الجدير ذكره، في هذا المجال، أن قيام الحكومة في عام 2008، بتنفيذ عملية الشراء المبكر للقروض التصديرية مع أعضاء نادي باريس، التي بلغت قيمتها الاسمية حوالي 2.4 مليار دولار، بسعر خصم مقداره 11.0%، قد ساهم في خفض حجم الدين العام الخارجي بحوالي 1.7 مليار دينار، ناهيك عن تجنيب الحزينة فوائد تقدر بحوالي مليار دينار كانت ستترتب على تلك الديون لو بقيت قائمة. وقد جاءت تلك الخطوة انسجاما مع التوجه الحكومي المتمثل بالعودة إلى الاقتراض الخارجي لتلافي مزاحمة القطاع الخاص على الاقتراض المحلي، ناهيك عن تدني الكلفة النقدية، أو سعر الفائدة، على الاقتراض الخارجي مقارنة بالاقتراض الداخلي.

أما الأسباب الحقيقية لنمو الدين العام بصورة مقلقة خلال السنوات القليلة الماضية فتتمثل بتضخم حجم العجز في الموازنة العامة نتيجة لعدد من الصدمات الخارجية التي تعرض لها الاقتصاد الوطني خلال النصف الثاني من العقد السابق. وقد كان أبرز تلك الصدمات الارتفاعات المتوالية في أسعار النفط والسلع الأساسية في الأسواق العالمية، والتقلب في حجم المساعدات الخارجية من عام إلى آخر، وعدم اتخاذ الحكومات المتتالية إجراءات مناسبة للتخلص تماما من الدعم المباشر للسلع والخدمات الأساسية، علما بأن مثل هذا الدعم عادة ما يستفيد منه الأغنياء قبل الفقراء. وها هي الحكومة تتحدث مجددا عن هذه المشكلة وتبدي نيتها ترشيد الدعم من خلال توجيهه إلى المستحقين وليس إلى السلع، أي تحويله من دعم غير مباشر إلى دعم مباشر!

وعودة إلى لغة الأرقام فقد ارتفع سعر برميل النفط في عام 2005 ليصل إلى 53 دولارا للبرميل مقابل 38 دولارا للبرميل في العام السابق، أي بنمو نسبته حوالي 40%، كما انكمشت المساعدات الخارجية في ذلك العام بحوالي 311 مليون دينار عن مستواها في عام 2004 ولم تتجاوز نصف حجمها المقدر في قانون الموازنة لذلك العام! وفي ضوء ذلك فقد ارتفع حجم العجز المالي ليصل إلى 477.8 مليون دينار في عام 2005، مقارنة مع ما مقداره 204 مليون دينار في عام 2000. وفي ضوء استمرار ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية في الأسواق العالمية، وارتفاع حجم الدعم الذي تتحمله الموازنة العامة، وعدم اتخاذ إجراءات لمنع التوسع في الإنفاق الجاري، وخاصة في بند الدعم، فقد واصل عجز الموازنة العامة توسعه ليتجاوز مليار دينار في عام  2010 بعد أن وصل إلى قرابة 1.5 مليار دينار في عام 2009.

ويتضح من هذا التحليل الرقمي المبني على الحقائق التي يمكن التثبت منها من خلال الرجوع إلى مختلف التقارير الاقتصادية، الحكومية والدولية والخاصة، أنه لم يكن هناك أي تأثير سلبي لسياسات التحرير الاقتصادي وبرنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي، تحديدا، على العجز المالي والمديونية العامة، بل على العكس من ذلك فإن تلك البرامج والسياسات كان لها أثر إيجابي في هذا المجال، والسؤال الموضوعي الذي يجب أن يطرح هنا هو ماذا كان سيكون عليه حال العجز والدين العام دون تنفيذ تلك السياسات والبرامج!     

       

 

   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' خبرني ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .